شريف محمد الجندي استشارى جراحه الفم والفكين وزراعه الأسنان
شخصيات عامه

سميرة موسى.. حلم نووي تم اغتياله

كتب / حسن الجندي 

العالمة المصرية سميرة موسى تُعد من رموز العلم والكفاح في تاريخ مصر والعالم العربي. منذ بداياتها، كانت سميرة على يقين بأن طريق العلم ليس مفروشا بالورود، وأن للمعرفة ثمنا باهظا، ومع ذلك اختارت أن تمضي فيه بكامل إرادتها، مكرسة حياتها لدراسة علم الذرة، المجال الذي أسر قلبها وعقلها معا، ولم تكن خطواتها في هذا الطريق سوى تمهيد لاسم سيُسطَّر في سجل التاريخ بحروف من ذهب: “أول عالمة ذرة مصرية” في زمان كانت فيه مجالات العلوم النووية حكرًا على الرجال، لتكسر سميرة القاعدة  وتصبح إحدى القلائل اللاتي اقتحمن في ذلك الوقت مجال الفيزياء النووية، لتظل قصتها رمزا ملهما ومثالا خالدا للكفاح العلمي.

البدايات المضيئة
ولدت سميرة موسى في 3 مارس 1917 في ريف مصر بقرية “سنبو الكبرى” بمحافظة الغربية، وسط أسرة تؤمن بقيمة التعليم، وكان أبوها يتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة بين أبناء قريته فقد كان منزلهم ملتقى لأهل القرية لمناقشة القضايا السياسية والاجتماعية، ويتشاورون فيما بينهم من موضوعات، وكانت هذه المجالس لها أكبر الأثر في اكتساب سميرة خبرة الكبار بالرغم من صغر سنها، ما أدى لاتساع مداركها ووعيها بالأحداث الجارية حولها.

طريق التفوق العلمي
كان والدها موسى أبو سليمة الرجل الريفي البسيط المعلم الأول في حياة ابنته والسند لها، فآمن بعقلها قبل أن يؤمن به الآخرون، وفتح لها باب المعرفة منذ الصغر مُظهرا إيمانا شديدا بعقلها وقدراتها، حيث ألحقها بالكتاب لتحفظ القرآن الكريم، وأظهرت نبوغا ملحوظا، ومقدرة استثنائية على الحفظ والتي أشاد بها شيخها.

انتقلت بعد ذلك سميرة إلى المدرسة الأولية بالقرية وقد صار ذكاء سميرة وعبقريتها شيئا ملحوظا بشهادة مدرسيها، ومن هنا قرر والدها الحاج موسى الانتقال إلى القاهرة مع أسرته، لتكمل سميرة تعليمها تاركا أرضه وبيته وأهله من أجل ابنته،  فلم يكتفِ والدها بتعليمها في الكُتاب أو بشهادة المدرسة الأولية مثل باقي البنات في ذلك الوقت اللاتي كن يحرمن من استكمال تعليمهن، ولكنه كان مُقدِّرا لقيمة العلم والمعرفة وأصر على استكمال سميرة لمسيرتها التعليمية.

القاهرة.. أول الطريق
سافرت أسرة سميرة إلى القاهرة والتحقت الابنة النابغة بمدرسة “قصر الشوق الابتدائية” وحصلت على المركز الأول في الشهادة الابتدائية، لافته الانتباه إليها لشغفها العلمي وطموحها، وانتقلت بعد ذلك إلى مدرسة “الأشراف الثانوية الأهلية” التي أسستها الرائدة والناشطة السياسية “نبوية موسى”.
يُذكر أنه في أحد الأيام تلقت المربية الفاضلة نبوية موسى ناظرة مدرسة بنات الأشراف من تلميذتها سميرة طلب نقل من المدرسة إلى مدرسة حكومية، لأنها فى حاجة إلى معمل طبيعة لإجراء التجارب العلمية، وأن ذلك غير متوافر في المدرسة، وحرصا من الناظرة نبوية موسى على مصلحة طالبتها المجتهدة والتي رأت أن مستواها العقلي والفكري يسبق زميلاتها بفارق كبير قامت بعمل استثنائي من أجلها، وبالفعل تم توفير المعمل لتتمكن من إجراء التجارب العلمية ومتابعة شغفها بالبحث والاكتشاف.

كتاب جبر.. من تأليف تليمذة !
لم تكن سميرة موسى فتاة عادية في مقتبل عمرها، بل كانت نموذجا فذا للنبوغ المبكر الذي تجاوز حدود الزمن والمجتمع، فذُكر عن نبوغها أنها في عمر لم يتجاوز السادسة عشرة، استطاعت أن تؤلف كتابا في علم الجبر الحديث، رغبة منها في تبسيط هذا العلم لزميلاتها اللاتي وجدن صعوبة في فهم كتب الوزارة، خاصة في مادة الرياضيات.
ففي أحد أيام عام 1933، توجهت سميرة إلى والدها وطلبت منه أن يطبع لها 300 نسخة من الكتاب على نفقته الخاصة، لتقوم بتوزيعها مجانا على زميلاتها، لم يتردد الأب لحظة، بل غمرته فرحة عارمة بابنته وموهبتها، وبعد طباعة الكتاب أهدت سميرة نسخة منه لأستاذها الفاضل “محمد حلمي”، كتبت له الإهداء في بداية الكتاب قائلة:

“جاز لي أن أتقدم بكتابي (الجبر الحديث) إليكم بعد انتهائي من تأليفه، وهو الثمرة التي نتجت من غرس أياديكم البيضاء. فهاك الكتاب، راجية أن يحوز عطفك السامي ورضاك”..
المهداه سميرة موسى

شغفها بالعلوم

كانت مسيرة سميرة الدراسية لافتة للنظر؛ حيث أنهت مراحل التعليم كافة بتفوق واضح، وفي عام 1935، حصدت سميرة ثمار اجتهادها حيث حصلت على المركز الأول على مستوى الجمهورية في الشهادة التوجيهية، في زمن لم يكن التفوق فيه مألوفا للفتاة المصرية، لكن مجدها لم يتوقف عند هذا الإنجاز، بل بدأ منه، فحين جاء وقت اختيار التخصص الجامعي، لم تنجذب سميرة إلى المسارات التقليدية التي كانت تتجه إليها الفتيات آنذاك، بل أصرت على الالتحاق بكلية العلوم بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا)، متحدية أعرافا مجتمعية كانت تُوضع أمام النساء، فلم يكن مرحبًا بهن في هذا المجال.
التحقت سميرة بكلية العلوم لتجد عالمها وملاذها الحقيقي وسط أجهزة المعامل والتجارب العلمية، مستمرة في تفوقها حتى تخرجت في الكلية عام 1939، بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وكانت الأولى على دفعتها، ما أهلها للترشيح كمعيدة في الكلية، لكنها واجهت اعتراضات كثيرة بسبب صغر سنها وجنسها، لكن أستاذها الدكتور علي مصطفى مشرفة، عميد الكلية وقتئذ أصر على تعيينها، وقدم استقالته احتجاجا على رفض تعيينها، ما دفع مجلس الوزراء للموافقة في النهاية على تعيينها لتصبح أول معيدة في كلية العلوم.

رسالة علمية كشفت خطورة الذرة
استمرت سميرة موسى في مسيرتها العلمية بكل عزيمة، وفي فترة وجيزة استطاعت نيل درجة الماجستير من كلية العلوم عام 1942 وكان موضوع الرسالة “التواصل الحراري للغازات” حيث كشفت من خلاله عن خصائص خطيرة لبعض الغازات، مشيرة إلى قدرتها على إحداث تأثيرات حرارية قاتلة، كما نبهت إلى أن هناك أنواعا من الغازات، إذا ما تعرضت لتكثيف ذري شديد، يمكن أن تنفجر بقوة مدمرة قادرة على إحراق مدينة بأكملها، ولم يكن مضمون بحثها واضحا ومفهوما تماما لدى البعض، ولم تمض سنوات قليلة حتى تجسدت تحذيرات سميرة موسى على أرض الواقع بشكل مأساوي، ففي عام 1945، أسقطت الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على المدينتين هيروشيما ونجازاكي اليابانية، مخلفة دمارا هائلا، وأثبتت بذلك صدق الرؤية العلمية المبكرة للعالمة المصرية.

عزيمة لا تعرف المستحيل
أصرت سميرة على تحقيق حلمها في الحصول على شهادة الدكتوراه من إنجلترا، البلد الذي كانت تتمتع بالإمكانيات المعملية والتقنيات الحديثة التي لم تكن متوافرة في مصر آنذاك، حيث كانت تؤمن أن البيئة العلمية المتقدمة هي المفتاح لتطوير مهاراتها والوصول إلى أعلى درجات التخصص..
ففي عام 1947 حصلت سميرة على منحة دراسية من إنجلترا مدتها ثلاث سنوات لنيل الدكتوراه، وعندما حانت لحظة وداعها في المطار، توجه إليها أحد زملائها، وسألها”هل تستطيعين إنهاء رسالة الدكتوراه في ثلاث سنوات فقط؟”، فردت سميرة بهدوء وثقة كبيرة قائلة: “ثلاث سنوات؟ هذا وقت طويل جدًّا.”، فعكست كلماتها إيمانها العميق بقدراتها وطموحها اللامحدود.
وبالفعل نجحت في إنهاء الدكتوراه في زمن قياسي لم يتجاوز 17 شهرا، مقدمة رسالة بحثية عن “الأشعة السينية وتأثيرها على المواد المختلفة”، ما جعل أساتذتها يشهدون لها ببراعة فذة وذكاء متقد وحصلت على تقدير المجتمع العلمي البريطاني، لتصبح بفضل هذا الإنجاز أول امرأة عربية تنال شهادة الدكتوراه.

الذرة من أجل السلام
وبالرغم من انتهائها من رسالتها إلا أن شغفها بالعلم كان وراء إصرارها على استكمال مدة بعثتها كاملة وعدم العودة إلى مصر، مستمرة في أبحاثها، في محاولة لفتح أبواب الطاقة النووية أمام الدول الفقيرة كما الغنية، فلم يكن هدفها اختراع قنبلة، فهي لم تر في الذرة أداة للدمار، بل فرصة للشفاء، وأن تكون هذه الطاقة أداة علاج لا سلاح للحرب، فكانت مقولتها الشهيرة “سأجعل علاج السرطان بالذرة رخيصا كقرص الأسبرين“، خاصة بعد أن شهدت معاناة والدتها من مرض السرطان، فساهمت في تطوير نظريات لجعل استخدام الطاقة النووية في علاج السرطان أكثر أمانا وأقل تكلفة.

العودة لأرض الوطن
عادت الدكتورة سميرة إلى وطنها مصر ومعها اكتشافها العلمي الذي من المنتظر له أن يسهم في نقل مصر من صفوف دول العالم الثالث إلى مصاف الدول المتقدمة علميا، فقد تمكنت من التوصل إلى معادلة علمية لتفتيت المعادن الرخيصة كالـنحاس، ما يفتح آفاقا واسعة لاستخدام هذه المعادن في تطبيقات نووية كانت حتى وقت قريب حكرا على الدول الكبرى، الأمر الذي جعلها تحت مجهر أجهزة المخابرات الأجنبية، التي رأت في هذا الكشف تهديدا محتملا لمعادلات النفوذ العالمي.
بعد عودتها بفترة قصيرة إلى بلدها قامت بتأسيس “هيئة الطاقة الذرية بمصر”، مؤمنة أن العلم لا يجب أن يبقى حبيس المعامل، بل يجب أن ينتشر كالنور، وحرصت على إيفاد البعثات إلى الخارج للتخصص في علوم الذرة لبناء جيل جديد من العلماء، وكانت أول من رفع شعار “الذرة من أجل السلام”، فنظمت مؤتمرا عالميا احتضنته كلية العلوم، دعت فيه علماء الذرة من أنحاء الأرض ليتحدثوا عن مستقبل يكون فيه العلم في خدمة الحياة لا فنائها.

ميس كوري الشرق
في مشوارها العلمي كانت تنظر سميرة موسى إلى العالمة البولندية- الفرنسية “ماري كوري” الحاصلة على جائزة نوبل مرتين، إلى أنها مصدر إلهام وقدوة لها، وكما فتحت كوري أبواب العلم في أوروبا، كانت سميرة تسعى لفتح الأبواب ذاتها في العالم العربي متحدية العقبات والصعوبات، حتى أطلق عليها لاحقا لقب “ميس كوري الشرق”.

الوطن أغلى من كل الإغراءات
في عام 1952، حصلت على منحة لزيارة الولايات المتحدة، لتواصل أبحاثها في المعامل الأمريكية، وتطلع عن قرب على أحدث ما وصلت إليه الأبحاث في مجال الذرة، ولم تكن زيارتها مجرد رحلة علمية عابرة، بل تجربة ثرية سمحت لها بدخول معامل ومفاعلات نووية تعد من أكثر المنشآت سرّية في ذلك الوقت، وقد أثارت سميرة انبهار العلماء الأمريكين، ليس فقط لتوفقها العلمي، بل لما لديها من عزيمة وذكاء حاد، ما جعلها محط أنظارهم، ورغم الإغراءات الكبيرة التي عرضت عليها للبقاء في أمريكا من امتيازات وظيفية وبيئة بحثية متقدمة ، لكنها أصرت على العودة إلى مصر لتخدم وطنها، فلم تكن منبهرة بالبريق الغربي ولا انفتاح المجتمع الأمريكي، بل ظل قلبها معلقا بوطنها تريد العودة، لتضع علمها في خدمة أمتها، ولنقل خبراتها لأبناء بلدها.
وعبرت سميرة عن مشاعرها تجاه الحياة في أمريكا قائلة في إحدى الرسائل لوالدها:
“إن الحياة في إنجلترا لم تكن تعجبك، لست أدري، ما الذي تقوله لو رأيت الحياة هنا في أمريكا، إن كل إنسان هنا يفعل ما يشاء، والحرية هنا إلى أبعد الحدود، ليست هناك في أمريكا عادات وتقاليد كتلك التي نعرفها في مصر، فالأمريكان خليط من مختلف الشعوب، كثيرون منهم جاءوا إلى هنا لا يحملون شيئا على الإطلاق فكانت تصرفاتهم في الغالب كتصرف زائر غريب يسافر إلى بلد يعتقد أنه ليس هناك من سوف ينتقده أو يمنعه”.

كما عُرض على الدكتورة سميرة موسى أن تحصل على الجنسية الأمريكية وأن تبدأ حياة جديدة في واحدة من أكثر دول العالم تقدما على الصعيد العلمي والتقني، غير أنها رفضت كل ذلك بإصرار، ولم تضعف أمام الإغراءات والامتيازات، وفي هذه الفتره أرسلت لوالدها رسالة قالت فيها :
” لقد استطعت أن أزور المعامل الذرية في أمريكا وعندما أعود إلى مصر سأقدم لبلادي خدمات جليلة في هذا الميدان .. وسأستطيع أن أخدم قضية السلام”.

الرحيل الغامض
رغم شوقها العميق للعودة إلى مصر، لم تكتب لسميرة موسى العودة. ففي 15 أغسطس 1952، وقبل فترة قصيرة من موعد رحلتها إلى الوطن، تلقت دعوة لزيارة أحد المفاعلات النووية في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وفي طريقها إلى الموقع، وعلى أحد المنحدرات الوعرة، اصطدمت سيارتها بشاحنة ظهرت فجأة، مما أدى إلى اندفاعها بقوة نحو واد سحيق، وأسفر الحادث عن وفاتها على الفور، بينما نجا مرافقها – زميلها الهندي في الجامعة – بعد أن قفز من السيارة قبل لحظات من الاصطدام، ليختفي بعدها تماما دون أثر، وهو ما أثار كثيرا من التساؤلات، وكشفت التحريات أن إدارة المفاعل لم ترسل أي مندوب لاستقبالها، وأن السائق الذي كان برفقتها لم يكن معروفا لدى أي جهة رسمية، بل تبين أنه استخدم هوية مزورة، فهذه التفاصيل مجتمعة جعلت حادث وفاة سميرة موسى محل شك واسع، ودفعت البعض للاعتقاد بأنه كان حادث اغتيال مدبرا، تقف خلفه أجهزة مخابرات عالمية، خشيت من طموحها العلمي وسعيها لنقل تكنولوجيا الذرة السلمية إلى مصر والعالم العربي، في زمن كانت فيه هذه المعرفة حكرا على الدول الكبرى، وخاصة أن في إحدى خطاباتها الأخيرة لوالدها أرسلت له قائلة: ” لو كان في مصر معمل مثل المعامل الموجودة هنا كنت أستطيع أن أعمل حاجات كثيرة“، وعلق محمد الزيات مستشار مصر الثقافي في واشنطن آنذاك أن كلمة “حاجات كثيرة”، كانت تعني بها أن في قدرتها اختراع جهاز لتفتيت المعادن الرخيصة إلى ذرات عن طريق التوصيل الحراري للغازات ومن ثم تصنيع قنبلة ذرية رخيصة التكاليف.

حادث أم اغتيال
لا تزال وفاة عالمة الذرة سميرة موسى، التي رحلت في عمر لم يتجاوز الخامسة والثلاثين، ملفا مفتوحا يكتنفه الغموض، وتلاحقه علامات الاستفهام حتى اليوم، دون وجود أدلة قاطعة تؤكد أو تنفي فرضية الاغتيال، فبين من يرجح فرضية الحادث، ومن يعتقد أن وراء رحيلها المبكر مخابرات دول أجنبية خافت من طموحها العلمي، تبقى الحقيقة غائبة.

إرث لا يموت
خسرت مصر، ومعها العالم العربي، برحيل العالمة سميرة موسى واحدة من ألمع العقول وأكثرها إخلاصا لقضية العلم والوطن، فقد رحلت مبكرا، لكنها بقيت حية في ذاكرة الوطن، تاركة إرثا كبيرا ومسيرة علمية  لاتزال حتى اليوم مصدر إلهام للأجيال الجديدة ، فآثرت خدمة وطنها على كل مكسب شخصي، وكانت نموذجا فريدا للعالمة التي لم تغرها الامتيازات ولا العروض، مؤمنة بأن طريق العلم وإن كان محفوفا بالمخاطرهو السبيل الحقيقي لنهضة الأمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *