كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات
لماذا اختار الله أن يُكلِّم خلقه في رسالته الخاتمة بكتاب؟
هذا سؤال تظهر إجابته عظمة الخالق، وجلال النعمة التي بين أيدينا، والتي اختصنا بها في رسالته الخاتمة.
فلو فتحت القرآن، ونحَّيت عن ذهنك كل ما تعرفه عنه، ثم بدأت تقرأه كما يقرأ إنسان يسمعه لأول مرة، فستلاحظ شيئًا يفرض نفسه عليك من الصفحات الأولى.
القرآن لا يمل من تكرار كلمة واحدة هي الكتاب… ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، وكأن أول ما يريد الله أن يستقر في قلبك، ليس مضمون الكتاب، وإنما حقيقة أنه كتاب.
ثم تمضي قليلًا، فتسمع ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾، ثم: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ثم: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ ثم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ، ثم: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾.
حتى يكاد القرآن يلفت نظرك إلى هذا الاسم أكثر مما يلفت نظرك إلى أي اسم آخر.
لماذا؟ لأن الله يريدك أن تفهم منذ البداية أن آخر رسالات السماء لم تأت في صورة تجربة عابرة، ولا خاطرة إيمانية، ولا إلهام يزور القلب ثم يغادره، وإنما جاءت في صورة كتاب، والكتاب لا يُكتب إلا ليرجع الناس إليه.
ومن هنا نفهم لماذا ارتبط نزول القرآن منذ اللحظة الأولى بفعل القراءة، لا بفعل الرؤية ولا السماع وحدهما، لم يكن أول أمر في الرسالة الخاتمة: “تأمل”… ولا “اشهد”… ولا “اعبد”… وإنما كان: اقرأ.
لقد أراد الله أن يبني أمة علاقتها بالوحي علاقة وعي دائم، لا انفعال مؤقت، أمة تستطيع أن تفتح الكتاب كلما تشوشت عليها الطرق، فتجد المعيار محفوظًا كما نزل أول مرة.
ولهذا لفت بعض الباحثين المعاصرين، مثل توشيهيكو إيزوتسو، النظر إلى أن القرآن لا يقدم نفسه بوصفه مجموعة أفكار مبعثرة، بل بوصفه عالمًا متماسكًا من المفاهيم، تتساند أجزاؤه كما تتساند أعضاء الجسد الواحد.
وهذه ملاحظة مهمة؛ لأنها تكشف أن الله لم يرد أن يمنح الإنسان أجوبة متفرقة، وإنما أراد أن يمنحه رؤية كاملة للعالم، لا يمكن أن تحفظها الذاكرة الشفوية وحدها، وإنما تحتاج إلى كتاب يبقى، ويُراجع، ويُتدارس، ويُورث.
وتأمل كيف يحدث القرآن عن نفسه، لا يقول إنه كلمات جميلة، ولا يقول إنه خواطر روحية، ولا يقول إنه تجربة ذوقية، بل يقول: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾، ويقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ويقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ويقول: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ • فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾.
إنها لغة توحي بالثبات، والضبط، والإحكام، والحفظ، والرجوع، كأن الله سبحانه لا يريد للبشرية أن تعيش على الذكريات، وإنما على مرجع دائم لا يتغير.
ولذلك فإن السؤال ليس: لماذا أنزل الله كتابًا؟ بل السؤال الأعمق: لماذا لم يكتف بالإلهام؟ لو شاء الله، لألقى في قلب كل إنسان ما يشاء، ولو شاء لجعل كل مؤمن يسمع هدايته مباشرة، ولو شاء لجعل الدين إحساسًا داخليًا لا يحتاج إلى كلمات، لكنه لم يفعل.
لأن الإلهام لا يُحتج به، ولأن القلوب تتقلب، ولأن الإنسان قد يخلط بين صوت ربه، وصوت نفسه، وصوت هواه.
ولهذا لم يتركنا الله لما يجيش داخلنا، وإنما ردَّنا دائمًا إلى ما أنزله إلينا.
تأمل كيف تتكرر هذه الحقيقة في القرآن، كلما اختلف الناس عادوا إلى الكتاب، وكلما ضلت المجتمعات كان العلاج كتابًا.
قال سبحانه عن موسى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، وقال عن عيسى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ﴾، وقال عن خاتم الأنبياء: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾.
وكأن تاريخ النبوات كله يخبرك أن الله إذا أراد أن تبقى الهداية بعد رحيل الأنبياء… ترك كتابًا.
ثم انظر إلى التعبير القرآني العجيب: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، كيف تنقطع الحجة؟ بأن يكون الخطاب محفوظًا، موجودًا، مفتوحًا، لا يستطيع أحد أن يقول: لم يصلني، ولا أن يقول: ضاع، ولا أن يقول: حُرِّف، ولهذا جاء الوعد الذي لم يُعط لكتاب غيره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾… وهذا فارق مفصلي بين الكتاب الخاتم وما قبله حتى وإن سميت كتبا.
تأمل… لم يتعهد الله بحفظ حضارة، ولا بحفظ دولة، ولا بحفظ لغة، بل تعهد بحفظ هذا الكتاب، وكأن بقاء الرسالة في الأرض، متعلق ببقاء هذا الكتاب.
ولهذا أيضًا، لا يقدم القرآن نفسه على أنه كتاب يُقرأ مرة ثم يُطوى، بل كتاب يعود إليه الإنسان كلما ضل، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾، وقال: ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ وقال: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾، وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾
لاحظ أن الهداية ليست حدثًا وقع يوم النزول وانتهى، بل فعل مضارع مستمر.
يهدي… كلما فُتح الكتاب، وكلما أقبل عليه قلب، وكلما وقف إنسان بين يديه طالبًا الطريق.
ولهذا فإن المصحف الذي بين يديك ليس أثرًا تاريخيًا من عصر النبوة، بل هو آخر باب تركه الله مفتوحًا بين السماء والأرض، كلما فتحته بدأ الخطاب من جديد.
ولهذا لم يقل سبحانه: ذلك التاريخ لا ريب فيه، ولا: ذلك الوحي الذي كان، بل قال: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
وكأن كلمة ذلك، مع بعدها في اللفظ، ترفع مقام هذا الكتاب، ثم تمد يدها إلى كل جيل، لتقول له: الطريق لم يُغلق، والخطاب لم ينقطع، والباب الذي دخل منه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي… لا يزال مفتوحًا لك أنت أيضًا.
(نص من كتابنا الجديد عن القرآن الكريم نسأل الله العون والتوفيق )