في هندسة القرآن الكريم لعلاقة الإنسان بنفسه، تراه يكشف عن مشكلة أعمق من فكرة الضعف البشري

كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات

في هندسة القرآن الكريم لعلاقة الإنسان بنفسه، تراه يكشف عن مشكلة أعمق من فكرة الضعف البشري، فلو كانت القضية أن الإنسان ضعيف ويعلم أنه ضعيف، لانتهى نصف الطريق، لكن القرآن يؤكد أن الإنسان لا يحب أن يرى نفسه على حقيقتها، بل يميل دائما إلى رسم صورة أجمل من الواقع، وأقوى من الواقع، وأنقى من الواقع.

فإذا أخطأ بحث عن عذر، وإذا قصر التمس مبررا، وإذا عوتب التفت إلى أخطاء غيره، وكأن النفس لا تكتفي بأن تخطئ، بل تريد أن تقنع صاحبها أنها لم تخطئ أصلا.

ولأن القرآن الكريم يريد تعريف الإنسان بنفسه معرفة حقيقية، فقد بدأ يهدم الصورة المزيفة التي صنعها الإنسان عن نفسه بطريقة المواجهة، وذلك حين لم يناقش الإنسان في أصل معرفته بنفسه، بل قرر أنه يعرفها أكثر مما يظن، ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.

إنها آية مدهشة… فالقرآن لا يقول إن الإنسان يجهل نفسه، وإنما يقول إن المشكلة ليست في نقص المعرفة، بل في كثرة المعاذير الناتجة عن كونه يعرف مواضع ضعفه، ويعرف دوافعه، ويعرف متى كان صادقا، ومتى كان يراوغ، لكنه يملك قدرة عجيبة على صناعة الرواية التي تريحه…

ولذلك جاءت الآية في غاية الدقة حيث لم تنف البصيرة، وإنما كشفت الحجاب الذي يغطيها: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.

ومن هنا نفهم لماذا لا يكثر القرآن من دعوة الإنسان إلى اكتشاف نفسه، بقدر ما يكثر من دعوته إلى الصدق مع نفسه، فالمعرفة موجودة في أصلها، لكن الذي يفسدها هو الهوى، والرغبة في تبرئة الذات، والخوف من مواجهة الحقيقة، ولهذا جاء النهي القرآني الحاسم: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.

وهذه الآية لا تنهى عن تزكية اللسان فقط، وإنما عن تزكية القلب أيضا، بدليل ختامها “هو أعلم بمن اتقى”، إنها تنزع من الإنسان حق الشعور بالرضا الكامل عن ذاته، وحق إصدار الحكم النهائي على نفسه، فلا يملك أن يمنحها صك البراءة، ولا أن يخلع عليها ثوب الكمال؛ لأن الذي خلق النفس هو وحده الذي يعلم دقائقها، وما اختلط فيها من إخلاص ورياء، ومن صدق وهوى، ومن نور وظلمة.

وكأن القرآن يريد أن يبقي الإنسان طوال حياته في حالة مراجعة دائمة، لا في حالة اتهام مرضي للنفس، ولا في حالة إعجاب دائم بها، وإنما في حالة صدق معها؛ يرى حسناتها فيشكر، ويرى عيوبها فيستغفر، ولا يسمح لها أن تسرق منه هذه اللحظة النادرة التي يقف فيها أمام نفسه بلا أقنعة.

(نص من كتابنا الذي نعمل عليه هذه الايام… دعواتكم بالسداد والقبول)

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *