قصر رستم بالقنفذة… معلم عمراني شهد تعاقب الدول والإدارات

 الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

تكشف الوثائق التاريخية عن صلة وثيقة بين رستم ومدينة القنفذة، وعن الدور الذي أدته هذه المدينة بوصفها قاعدة إدارية وعسكرية في الحملات المتجهة إلى عسير خلال النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري. وتأتي في مقدمة هذه الشواهد رسالة مؤرخة في 11 شعبان 1240هـ، بعث بها رستم إلى محمد علي باشا، يرفع إليه تقريرًا عن تحرك القوات من القنفذة نحو بني شهر وعسير، وما اتصل بذلك من ترتيبات عسكرية وتموين وإمداد.

وتبين الرسالة أن القنفذة لم تكن في ذلك الوقت مجرد ميناء ساحلي، بل كانت مركزًا تتحرك منه القوات النظامية والفرسان ورجال المدفعية إلى الداخل الجنوبي، وأن رستم كان في موقع إداري وعسكري يتيح له متابعة تلك التحركات ورفع أخبارها مباشرة إلى محمد علي باشا. وقد ذكرت الوثيقة خروج قوات من القنفذة في اتجاه بني شهر، كما أوردت أسماء عدد من القادة والضباط المشاركين في الحملة، وفي مقدمتهم الشريف محمد بن عون، إلى جانب قادة من العساكر الجهادية والسواري.

كما تسجل الرسالة جانبًا من الأوضاع السياسية والعسكرية في عسير، فتشير إلى تفرق الجماعات التي كانت مع علي بن مجثل، وإلى طلب عدد من شيوخ عسير وكبرائها العهد والأمان، فضلًا عن حاجة القوات إلى الأموال والمؤن لاستكمال مهمتها والعودة بعد انتهاء الحملة. وهذا كله يجعل الوثيقة من المصادر المهمة في فهم طبيعة العمليات العسكرية التي انطلقت من القنفذة نحو عسير، والدور الذي أداه رستم في إدارتها أو الإشراف على جانب من شؤونها.

وتزداد أهمية هذه الوثيقة عند ربطها بالمعلم العمراني المعروف في القنفذة باسم قصر رستم. فهذا القصر ليس تسمية طارئة، بل هو اسم حفظته الذاكرة المحلية في المدينة جيلًا بعد جيل، وبقي معروفًا بهذا الاسم حتى الأزمنة المتأخرة. ومن هنا فإن ارتباط القصر برستم لا يقوم على مجرد افتراض، وإنما يستند إلى اجتماع الشهادة الوثائقية مع الشهرة المحلية المستفيضة.

ثم يأتي إعلان صادر عن محكمة القنفذة الشرعية سنة 1366هـ ليوثق هذا العقار بعد رسالة رستم بنحو 126 سنة هجرية. وتكمن أهمية هذا الإعلان في أنه يحفظ حضور القصر في السجل العمراني والقضائي للمدينة، ويبين أن العقار ظل معروفًا ومتميزًا حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، بعد أكثر من قرن على الرسالة التي ربطت اسم رستم بالقنفذة وحملة عسير.

وبذلك تجتمع ثلاثة شواهد متساندة: رسالة رستم المؤرخة سنة 1240هـ، التي تثبت حضوره في القنفذة واتصاله المباشر بحملة عسير؛ والشهرة المحلية التي حفظت اسم قصر رستم؛ ثم الإعلان العقاري والقضائي المتأخر الذي يوثق استمرار حضور القصر في المدينة. وهذا التساند بين الوثيقة العسكرية والذاكرة المحلية والسجل العقاري يمنح الربط قوة تاريخية واضحة.

ولا تكمن قيمة قصر رستم في كونه مبنى قديمًا فحسب، بل في كونه شاهدًا ماديًا على مرحلة كانت القنفذة فيها نقطة انطلاق للحملات العسكرية ومركزًا للإمداد والإدارة. فالقصر يرتبط باسم رجل ظهر في الوثائق الرسمية ضمن سياق حملة عسير، والمدينة نفسها ظهرت في الرسالة بوصفها قاعدة للتحرك العسكري نحو بني شهر وما وراءها.

كما تكشف صور القصر القديمة عن طراز معماري حجازي مميز، بما يشتمل عليه من بناء حجري، ورواشن خشبية، وواجهات متعددة الطوابق، وهو ما يؤكد أن القنفذة كانت تضم مباني إدارية وسكنية كبيرة تتناسب مع مكانتها بوصفها ميناءً ومركزًا للحكم والحملات.

ثم أضاف العهد السعودي فصلًا جديدًا إلى تاريخ هذا القصر، إذ تشير الشواهد المتوافرة إلى أنه أصبح مسكنًا لأسرة البراهيم خلال إمارتهم على القنفذة في العهد السعودي. ويؤيد ذلك ما نشره الأستاذ أبو معاذ حسين الفقيه في منصة X، حيث أورد صورة القصر، وكتب أسفلها العميد إبراهيم فهد حمود البراك عبارته المؤثرة: «هنا أبصرت الحياة»، في إشارة صريحة إلى أن مولده كان في هذا البيت المعروف في القنفذة باسم قصر رستم.

وتكتسب هذه الشهادة قيمة تاريخية واجتماعية؛ لأن العميد إبراهيم البراك ينتمي إلى أسرة عرفت بخدمة القنفذة، فقد كان والده فهد حمود البراك وكيلًا لإمارة القنفذة، وكان خاله الشيخ عبدالله البراهيم أميرًا للقنفذة. وهي أسرة فاضلة عرفت بالتواضع والكرم وحسن السيرة، وأحبها أهل القنفذة، وما زال ذكرها عطرًا في ذاكرة المجتمع، رحم الله من مات منهم وحفظ الأحياء.

كما أن أسرة البراهيم معروفة بمصاهرتها للملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، وهو ما يضيف بعدًا آخر إلى حضورها في التاريخ الاجتماعي والإداري للمملكة. ويبدو أن قصر رستم كان خلال تلك المرحلة مسكنًا للأسرة أثناء توليها شؤون الإمارة في القنفذة، فانتقل المبنى بذلك من ارتباطه برستم وحملة عسير في القرن الثالث عشر الهجري إلى كونه مسكنًا لأسرة إدارية بارزة في العهد السعودي.

وعليه، فإن قصر رستم لم يرتبط بمرحلة واحدة من تاريخ القنفذة، بل شهد تعاقب الدول والإدارات والأسر التي تولت شؤون المدينة. فقد ارتبط أولًا برستم في سياق الحملة المتجهة إلى عسير، ثم ظل حاضرًا في السجل العقاري والقضائي بعد أكثر من قرن، ثم أصبح في العهد السعودي مسكنًا لأسرة البراهيم خلال إمارتهم على القنفذة.

ومن هنا فإن دراسة رستم وقصره لا تقتصر على سيرة شخص أو تاريخ عقار، بل تفتح بابًا أوسع لفهم دور القنفذة في تاريخ الحملات المتجهة إلى عسير، وكيف ارتبط عمران المدينة بوظائفها العسكرية والإدارية، ثم كيف استمر هذا المبنى جزءًا من الحياة العامة في العهد السعودي.

فالقصر يمثل ذاكرة معمارية، والرسالة تمثل ذاكرة سياسية وعسكرية، والإعلان يمثل ذاكرة قضائية وعقارية، وشهادة العميد إبراهيم البراك تمثل ذاكرة اجتماعية وإنسانية. وعند جمع هذه الشواهد تتكون صورة أكثر اكتمالًا عن القنفذة في مرحلتين تاريخيتين متباعدتين، وعن مبنى واحد ظل شاهدًا على تحول المدينة وتبدل إداراتها.

إن اجتماع رسالة رستم سنة 1240هـ، وإعلان المحكمة الشرعية سنة 1366هـ، والشهادة الاجتماعية المعاصرة التي تؤكد سكن أسرة البراهيم في القصر خلال إمارتهم على القنفذة، يجعل من هذا المبنى وثيقة معمارية حية، لا مجرد أثر قديم. فهو شاهد على حملة عسير، وعلى الإدارة القضائية، وعلى العهد السعودي، وعلى الأسر التي خدمت القنفذة وأحبها أهلها.

وهكذا يبقى قصر رستم بالقنفذة معلمًا عمرانيًا شهد تعاقب الدول والإدارات، وحفظ في جدرانه وذاكرة أهله أكثر من قرن من تاريخ المدينة، من رستم وحملة عسير إلى أسرة البراهيم وإمارة القنفذة في العهد السعودي.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *