وثيقة بيع شرعية نادرة من سوق السويق بينبع النخل سنة 1278هـ توثق نشاطًا تجاريًا لرجال من قبيلة جهينة في أحد أشهر الأسواق التاريخية بالحجاز
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
تمثل هذه الوثيقة الشرعية، المؤرخة في 27 ربيع الآخر سنة 1278هـ، شاهدًا مهمًا على الحياة الاقتصادية في ينبع النخل خلال القرن الثالث عشر الهجري، إذ توثق عملية بيع عقار تجاري داخل سوق السويق، أحد أشهر الأسواق التاريخية في ينبع النخل، وتبرز في الوقت نفسه حضور رجال من قبيلة جهينة في النشاط التجاري وتداول الأملاك داخل أسواق الحجاز.
وبمطالعة كتب التاريخ يتبين أن ينبع سُمّيت بهذا الاسم لكثرة ينابيعها، إذ اشتهرت بوجود ما يزيد على تسعة وتسعين عينًا، ثم اقترن اسمها بـ النخل، فصار يقال ينبع النخل، في دلالة على العلاقة الوثيقة بين الماء والنخيل؛ فحيثما تدفقت العيون ازدهرت الواحات، وانتشرت بساتين النخيل في قرى ينبع، حتى غدت السمة الأبرز للمنطقة.
وقد أسهم هذا الموقع، بما حباها الله من وفرة المياه وخصوبة الأرض، في جعل ينبع النخل محطة رئيسة على طرق التجارة بين الحجاز والشام ومصر منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا. ومع انتشار الإسلام، تعاظمت مكانتها، فأصبحت القوافل التجارية وقوافل الحجاج تمر بها، فنشأت فيها أسواق تاريخية ازدهرت بالحركة الاقتصادية، من أشهرها سوق السويق، إلى جانب سوق الجابرية وسوق سويقة، وهي أسواق عكست مكانة ينبع النخل مركزًا تجاريًا مهمًا في الحجاز.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، شهدت هذه الأسواق التاريخية أعمال ترميم وتأهيل وإحياء، لتستعيد مكانتها التاريخية وتواكب النهضة المباركة في ظل رؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي جعلت المحافظة على التراث العمراني والثقافي أحد أهم روافد الهوية الوطنية والتنمية والسياحة الثقافية.
وتثبت الوثيقة أن سالم بن سليم بن سنان، الموصوف بأنه بالغ عاقل رشيد، اشترى بماله الخاص من سعيد بن حميد شنهوري ثمانية قراريط من نصف دكان يقع في سوق السويق، بعد أن كان نصف الدكان الآخر مملوكًا له، فأصبح يملك حصة أكبر في العقار، مقابل مبلغ قدره 120 ريال فرنسا برؤوسها.
ولم تكتف الوثيقة بإثبات البيع، بل سجلت الحدود الشرعية للدكان بدقة، فذكرت الجوار والمعالم المحيطة به، ومنها قلعة أبو رقيبة، ودكان خليفة بن محمد شلياني، ودكان ابن هديلق، وهو ما يعكس دقة القضاء الشرعي في توثيق الأملاك، ويتيح للباحثين اليوم إعادة رسم ملامح النسيج العمراني والتجاري لسوق السويق في تلك الحقبة.
كما نصت الوثيقة على أن البيع كان بيعًا ناجزًا صحيحًا من وقته وحينه، حيث أعلن البائع أنه باع عن نفسه ومن يأتي بعده، وقبل المشتري الشراء لنفسه ولمن يأتي بعده، وهي من الصيغ الشرعية المألوفة في عقود البيع لإثبات انتقال الملكية انتقالًا نهائيًا.
أما الثمن، فقد بلغ 120 ريال فرنسا، وهي من العملات الفضية التي كانت متداولة في الحجاز خلال القرن الثالث عشر الهجري، وقد أقرت الوثيقة باستلام البائع كامل الثمن، وبراءة ذمة المشتري، وانتقال ملكية الحصة المبيعة إليه انتقالًا تامًا، مع ثبوت حقه في التصرف بها بجميع التصرفات الشرعية.
وتبرز الوثيقة كذلك أهمية النظام القضائي الشرعي في حفظ الحقوق، من خلال حضور الشهود وإثبات العقد، حيث شهد على البيع كل من:
فرج بن دخيل.و معتق.و عواد بن سعد الشيخ بن دخيل والشيخ بن عباد سنان.وحمود بن عطية شطيري.
و معتق بن مصلح العروي، كاتب الوثيقة وشاهدها.
وتكشف هذه الأسماء عن حضور رجال من قبيلة جهينة في النشاط التجاري، كما تؤكد المكانة التي حظيت بها الأسواق التاريخية في ينبع النخل بوصفها مراكز للبيع والشراء وتداول العقارات التجارية، في ظل منظومة شرعية دقيقة حفظت الحقوق والملكيات عبر وثائق ما زالت شاهدة إلى يومنا هذا.
وتعد هذه الوثيقة، التي تُنشر لأول مرة، إضافة مهمة إلى تاريخ أسواق ينبع النخل، فهي لا توثق مجرد عملية بيع لدكان، وإنما تقدم صورة متكاملة عن الحياة الاقتصادية، والعملات المتداولة، وأسماء التجار والشهود، وحدود السوق، وآليات القضاء الشرعي في توثيق البيوع، كما تؤكد استمرار الدور التجاري لمدينة ينبع النخل منذ قرون طويلة، وهو الدور الذي تحرص المملكة العربية السعودية اليوم على إحيائه والمحافظة عليه من خلال مشاريع تأهيل الأسواق التاريخية وربطها بمسارات التراث والثقافة والسياحة، ليبقى الماضي حاضرًا في ذاكرة المكان، ومصدر إلهام للأجيال القادمة.
