أنس الدغيم يُحلِّق بقصيدته في سيدة نساء العالمين خديجة الكبرى أمُّ المؤمنين، وسكنُ النبوة، وأمُّ الزهراء، والجدة الكبرى للسادة الأشراف

 بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

ليس كل الشعر مديحًا، وليس كل المديح قادرًا على أن يستعيد من التاريخ روحه، وأن يردَّ إلى السيرة دفءَ اللحظة الإنسانية التي غابت تفاصيلها وبقي أثرها.

وحين يكتب الشاعر السوري الدكتور الصيدلاني أنس الدغيم في سيدة نساء العالمين، أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد، سلام الله عليها، فإنه يقف أمام امرأة كانت حاضرة عند اللحظة الأولى من أعظم تحول عرفه تاريخ الإنسانية؛ حين عاد رسول الله صلوات الله عليه وآله من غار حراء يحمل رهبة اللقاء الأول بالوحي، فوجد عند خديجة القلب الذي يطمئن إليه، والبيت الذي يأوي إليه، واليقين الذي يبدد الخوف.

ومن هنا تأتي عبارته الشعرية المدهشة:

«حَمّالةَ الحُبِّ لا حَمّالةَ الحَطَبِ»

كلمتان متقابلتان، لكن بينهما تاريخ كامل.

فإذا كانت «حمّالة الحطب» قد أصبحت في الذاكرة القرآنية صورة للعداوة والأذى، فإن الشاعر يقلب الصورة في بناء أدبي بديع، ليجعل خديجة «حمّالة الحب»؛ تحمل لرسول الله صلوات الله عليه وآله المحبة والسكينة والتصديق والمؤازرة، وتحمل معه أعباء الدعوة حين كان حملها ثقيلًا، وتقف إلى جواره حين قلَّ الناصر وكثر المؤذي.

حين كان العالم لا يعلم… كانت خديجة تعلم

من أعظم ما تكشفه سيرة خديجة، سلام الله عليها، أن إيمانها لم يكن إيمانًا جاء بعد انتشار الدعوة وظهور سلطانها؛ بل كان في أول الطريق.

آمنت حين لم يكن وراء رسول الله صلوات الله عليه وآله جمهور، ولا دولة، ولا جيش، ولا سلطان.

رأت الرجل قبل أن يرى الناس انتصار رسالته، وعرفت صدقه قبل أن يعرف العالم كله محمدًا النبي.

ولذلك كان موقفها ساعة نزول الوحي من أبلغ المواقف في تاريخ السيرة؛ فلم تواجه رهبة اللحظة بالشك، وإنما واجهتها بمعرفتها العميقة بالرجل الذي عاشرته وعرفت أخلاقه وصدقه وأمانته وصلته للرحم وحمله للكل وإعانته على نوائب الحق.

فكانت تستدل على المستقبل بالماضي، وعلى عناية الله بأخلاق عبده.

وهنا تظهر خديجة لا زوجةً محبة فحسب، بل امرأة ذات عقل وبصيرة ويقين.

بيتٌ بدأ منه النور

بيت خديجة، سلام الله عليها، ليس بيتًا عاديًا في تاريخ مكة.

فيه عاش رسول الله صلوات الله عليه وآله سنوات من حياته، ومنه خرج في طريقه إلى حراء، وإليه عاد بعد نزول الوحي، وفيه بدأت أولى صفحات الإسلام.

وفي هذا البيت نشأت سيدتنا فاطمة الزهراء، سلام الله عليها.

ومن فاطمة وعلي، سلام الله عليهما، جاء الحسنان، الإمام الحسن والإمام الحسين، سلام الله عليهما، ومن ذريتهما امتدت الدوحة النبوية المباركة في الآفاق.

ولهذا فإن للسيدة خديجة منزلة خاصة في وجدان السادة الأشراف؛ فهي أم الزهراء، وجدة الحسن والحسين، والجدة الكبرى للذرية النبوية الشريفة.

وإذا كان النسب الشريف يصل إلى رسول الله صلوات الله عليه وآله من طريق ابنته فاطمة الزهراء، فإن خلف تلك السلسلة المباركة أمًّا عظيمة حملت فاطمة وربتها في بيت النبوة: خديجة بنت خويلد.

فكلما ذُكرت الدوحة الفاطمية، كان في جذورها عبق خديجة.

«فيها من الحب ما لم تحوه كتب»

ويبلغ الدغيم في قصيدته صورة شديدة الرقة حين يقول:

«فيها من الحب ما لم تحوه كتبُ»

وكأن هذا الشطر مفتاح لقراءة علاقة رسول الله صلوات الله عليه وآله بخديجة.

فليست كل المشاعر محفوظة في كتب السيرة، ولا تستطيع الروايات، مهما كثرت، أن تنقل تفاصيل بيت عاش فيه قلبان تلك السنوات الطويلة.

لكن بعض المواقف تكشف ما لا تستطيع المجلدات أن تقوله.

فقد بقيت خديجة حاضرة في ذاكرة رسول الله صلوات الله عليه وآله بعد وفاتها.

غاب الجسد، وبقي الوفاء.

وظلت ذكراها حاضرة، وظل يكرم من أحبتهن ويذكر أيامها ومواقفها، حتى غدت خديجة مثالًا خالدًا على أن الوفاء الحقيقي لا ينتهي بالموت.

امرأة أنفقت مالها وربحت الخلود

كانت خديجة ذات مال ومكانة، لكنها حين آمنت برسول الله صلوات الله عليه وآله لم تجعل المال حاجزًا بينها وبين الرسالة، بل جعلته في خدمتها.

وهنا تتجلى مفارقة إنسانية عظيمة: كم من إنسان امتلك المال فامتلكه المال، وكم من إنسان امتلك المال فتحرر منه.

أما خديجة فقد وضعت ما لديها حيث وضعت قلبها.

وحين اشتدت المحنة، لم تكن امرأة تنظر إلى الدعوة من بعيد، وإنما عاشت الألم والحرمان مع رسول الله صلوات الله عليه وآله.

وهكذا لم تحمل الحب كلمة، بل حملته موقفًا.

ولعل هذا هو السر العميق في عبارة الدغيم:

«حَمّالة الحب».

فالحب عند خديجة لم يكن عاطفة ساكنة، وإنما كان حملًا.

حملت همَّه، وحملت سرَّه، وحملت معه أذى الطريق، وحملت فاطمة الزهراء؛ ثم تركت في فاطمة نسلًا حمل شرف الانتساب إلى جدِّه رسول الله صلوات الله عليه وآله عبر القرون.

خديجة… أمُّ الدوحة

وحين ينظر الباحث في أنساب السادة الأشراف إلى المشجرات الممتدة في الحجاز واليمن والعراق والشام ومصر والمغرب وسائر بلاد المسلمين، فإنه يرى أسماءً وفروعًا وبيوتًا ودولًا وأمراء وعلماء وصلحاء عبر قرون طويلة.

لكن تلك الأغصان الكثيرة، مهما تباعدت أوطانها، تعود في النهاية إلى بيت مبارك في مكة.

إلى فاطمة.

ومن خلف فاطمة تقف أمها خديجة.

وهنا تتجلى زاوية أخرى من عظمة هذه السيدة الجليلة؛ فهي الجدة الكبرى لدوحة بشرية امتدت في أرجاء العالم الإسلامي، وحملت عبر فاطمة الزهراء والحسن والحسين صلة النسب برسول الله صلوات الله عليه وآله.

فهي أم المؤمنين بمقامها من رسول الله، وأم الزهراء بنسبها، وجدة السبطين بدمها، وفي ظلال دوحتها الأمومية تمتد أنساب السادة الأشراف.

حَمّالة الحب

لعل عبقرية الصورة التي صاغها أنس الدغيم تكمن في أنه لم يقل «صاحبة الحب» ولا «سيدة الحب»، بل قال:

«حَمّالة الحب».

والحمل مشقة ومسؤولية وصبر.

وكأن الكلمة تعيدنا إلى سنوات مكة الأولى؛ إلى امرأة حملت مع النبي صلوات الله عليه وآله ثقل البدايات، يوم لم يكن أحد يعرف إلى أين سيمتد هذا النور.

ثم مضت خديجة، وبقي اسمها.

وبقي بيتها في ذاكرة مكة.

وبقيت فاطمة.

وبقي الحسنان.

وامتدت ذريتهما شرقًا وغربًا، جيلًا بعد جيل.

وبقيت كلمات رسول الله صلوات الله عليه وآله في فضل خديجة شاهدة على مكانتها، حتى صار الوفاء لها جزءًا من سيرته، وصارت سيرتها درسًا خالدًا في أن أعظم الحب ليس ما يُقال، وإنما ما يُحمل.

ولهذا جاءت عبارة الشاعر السوري الدكتور الصيدلاني أنس الدغيم كأنها تختصر سيرةً كاملة:

«حَمّالةَ الحُبِّ لا حَمّالةَ الحَطَبِ»

سلامٌ على سيدة نساء العالمين خديجة الكبرى؛ يوم آمنت، ويوم واست، ويوم أنفقت، ويوم صبرت، ويوم رحلت عن الدنيا، وبقي حبها حيًّا في قلب سيد الخلق صلوات الله عليه وآله.

وسلامٌ عليها أمَّ الزهراء، وجدةَ الحسن والحسين، وأمَّ الدوحة التي امتد منها نسل رسول الله صلوات الله عليه وآله في العالمين.

لمشاهدة الحلقة اضغط على الرابط التالي 

https://drive.google.com/file/d/1iz-R2jAXlggR7iXn_NkhkRJLWdWSARzk/view?usp=drivesdk

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *