كتب دكتور / شريف الجندي
نحن لا نجوع لأن بطوننا خاوية، بل لأن نفوسنا لم تتعلّم الاكتفاء.
المعدة كائنٌ صادق؛ تمتلئ فتسكت.
أما النفس… فحفرة لا قاع لها إن تُركت بلا وعي ولا تزكية.
العين هي أخطر الأعضاء؛
ليست لأنها ترى، بل لأنها تُقارن.
ومن بدأ بالمقارنة، فقد بدأ رحلة الشقاء دون أن يدري.
ينظر إلى ما في يد غيره، فينسى ما في يده،
ويرى نعمة الناس فيكبرها، ويرى نعمته فيصغرها،
فيتحول الغنى إلى فقر، والوفرة إلى شعور بالعوز.
العجيب أن الله قد يقسم الأرزاق بعدلٍ مُحكم،
لكن الإنسان يفسد القسمة بعينه.
فلا يطلب المزيد لأنه محتاج،
بل لأنه غير راضٍ.
الشبع الحقيقي ليس كثرة المال،
ولا اتساع الملك،
ولا امتلاء الموائد…
الشبع الحقيقي لحظة صامتة في القلب تقول:
«كفى».
ومن قال «كفى» استراح.
ومن استراح، تحرر.
ومن تحرر، صار أغنى الناس…
ولو لم يملك إلا قلبًا مطمئنًا.گط
أما من ظلت نفسه جائعة،
فلن تُغنيه الدنيا ولو وُضِعت بين يديه،
سيظل ينظر، ويقارن، ويحسد، ويضطرب،
كمن يشرب من ماء البحر…
كلما شرب ازداد عطشًا.
وأما الرضا فهو ليس استسلامًا للواقع،
بل فهمٌ عميق لمعنى القسمة،
وإدراك أن الله لا يخطئ العطاء،
وأن ما عندك ليس صدفة،
وما فاتك لم يكن لك.
إذاً ليس الفقير الذي قلّ ماله،
بل من كثر نظره إلى ما في أيدي الناس.
وليس الغني الذي كثرت خزائنه،
بل من امتلأت نفسه، وسكنت عينه،
وصار يسأل الله الخير للناس،
وهو أعلمهم أنه أفقر الخلق إليه.