ترجمات من كتب اجنبيه
كتب / حسن الجندي
قَبّلت عينيه وخديه وشفتيه. وَضعت خدها على قلبه وظلت مستلقية إلى جانب (جثته)، شاكرة للوقت الذي أمضته معه، إن طال أم قَصُر، شاكرة أنها عرفته، شاكرة أنها منذ زمن طويل، في أيام صباها، جرّبت حباً عارماً لن يُنسى، حبٌ ظل قائماً رغم مرور عشرات السنين، رغم المسافات والكيلومترات والأولاد والأكاذيب والرسائل. ضمّته بين ذراعيها وقالت كل ما أرادت قوله.
في تلك الفترة القصيرة كان هو كله لها وحدها.”
– مرجان كمالي
متجر الكتب في طهر
“- ما الأهم، الرحلة أم الوجهة؟
– الصحبة هي الأهم”
“- هل تجعل مني الأفكار السيئة شخصا سيئا؟
– لا. لأن الأمواج لا تمثل البحر، كذلك الأفكار لا تمثل الروح.”
الباندا الكبيرة والتنين الصغير
قصة مصورة للكبار
“اصطحبتني أختي إلى حديقة كانت قد ذهبت إليها في يوم ما. حديقة كبيرة فيها نهر كبير ونوارس تقف ساكنة على أعمدة. سارت أختي على السقالة نحو قارب صغير، ركبته وفكت الحبل.
وعندئذ شعرت بالحزن فجأة. لم يكن حزنا عابرا. لقد شعرت بذلك الحزن دائما. إنه حزن قديم بلا دموع. حزن معلق كما ورق الجدران في كل غرف منزلنا. حزن يختبأ في الحساء الذي تعده أمي، وفي المهام التي يقوم بها والدي، وفي قبعة الصوف الواقية من البرد”.
– “امي، هل سأموت؟”
– “في يوم ما. لكن ليس الآن.”
– “هل الموت مؤلم؟”
-“كل شيء يصبح ساكنا، الموت مثل الأحلام، إلا أنه أكبر منها”
……
“أمي، حلمت البارحة بأختي، وكانت أكبر من حلم.”
“عرفت الآن أن بمقدروك فعل الكثير حين تكون ميتاً؛ تُسكت الناس وتجعلهم يبكون، يُنطق اسمك بوقار وبمجرد أن يتذكرونك يحضنون بعضهم.”
“تأملت كثيراً فكرة “الحلم الأمريكي”. أرى أنه عقار يؤدي تناوله إلى المبالغة في تقدير الذات الأمريكية، الذي يتبعه النكوص الأمريكي. فلو لم يُقتل كينيدي، لم يصل جونسون إلى السلطة قط، ويمهد الطريق لنيكسون. لقد زُرعت بذرة نجاح نيكسون في لحظة فشل؛ أثناء النقاش التلفزيوني المتعصب الساخن المتعثر وإخفاق انتخابات 1960. تأمل صف الرؤساء وسترى صحة ذلك؛ ثمة تطور نفسي متواصل تحول تماماً إلى احتياجات غير معلنة ورغبات من قبل الشعب الأمريكي. فأنا أكتب عن نيكسون على أنه الرئيس الذي اجتمع فيه كل ما يخص أمريكا في عصره، ولماذا انتخبناه وماذا تأملنا منه أن يفعل…”
“هل يوجد سياسي واحد لم يبع روحه عشرات المرات قبل أن يتولى منصبه؟”
“لو تمتع البشر بقدرة أكبر على التبصّر والاستدلال حول كل ما يجري، فسوف يُصعقون. بل وأكثر من ذلك: سيرغبون القيام بشيء حيال ذلك. آخر ما يرغب به البشر هو كشف الحقيقة، لأنها ستضرنا جميعاً”.
“لم أخبر شين لان بأني أخاف الذهاب إلى الصين أيضاً؛ أفترض هناك ثمة جانب مظلم يمنح قيمة أقل لحياة الإنسان مما أفعل. أخاف التعرض لأمر ما عند ذهابي إلى هناك؛ أن أمرض، أو يحدث تمزق في مصراني الأعور، ومن ثمَّ معاناة مضاعفة من الألم في إحدى مستشفيات الصين، حيث لا أكون قادراً على العناية بنفسي. أتوقع أني سأموت جراء غارغرينا في المصران الأعور، أو ربما بسبب التهاب بعد إجراء عملية جراحية بلا تعقيم. لم أخبر شين لان بأني أحلم بكوابيس يظهر فيها صينيون يرتدون معاطف مختبر مدماة ويخاطبوني بإنگليزية ركيكة بأن دوري قد حان. أخبرت شين لان شيء عن فكرة عظيمة لم أعرب عنها بعد. إلا أني لم أخبرها بأني أتساءل لا إرادياً أحياناً إن كان ثمة علاقة مباشرة بين الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية وتوثيق أواصر العلاقات مع الصين من قبل نيكسون”.
“نتواصل عبر الأنترنت، ونصادق بعضنا عبر الأنترنت دون معرفة مع من نتحدث، ونضاجع الغرباء. نتطلع إلى كل شيء تقريباً لعله علاقة، لعله ارتباط، ورغم ذلك نقف عاجزين إذا كنّا بالقرب من أهلنا وجيراننا؛ لذا نخرج عن طورنا ونهرب مسرعين إلى النسخة الرقمية؛ لأنها أسهل، ولأننا حينئذ نكون ذاتنا الحقيقية وذاتنا المتخيّلة في الوقت نفسه، وبالقدر نفسه”.
من رواية “اغفر لنا” للكاتبة الأمريكية آ. أم. هومز
“فيما كنت منهمكا في عملي، سمعت صوتا، وحين توجهت نحوه رأيت بأنه لروبرت هوز؛ الناقد الفني في مجلة التايم، يقف مذهولا محدقا بي:
_ أنت فيليب غلاس، ماذا تفعل هنا؟
كان واضحا ما أفعل؛ أنصب وأشغل غسالة الصحون خاصته
قلت له بأني على وشك الانتهاء.
_ لكنك فنان!
رد متلعثما.
شرحت له بأني فنان، لكني سباك أحيانا، وطلبت منه المغادرة حتى أنتهي من عملي”
– وفقا لتصور معروف مفاده أن الترجمة وخاصة الترجمة الأدبية على وجه التحديد هي ظلٌ للنص الأصلي، وإفتقار، أو نسخة من الدرجة الثانية، أو تزوير، أو كما صاغه شوبنهار بشكل جميل:
“يكاد من غير الممكن ترجمة جملة مفيدة مميزة بليغة من لغة إلى أخرى بحيث يكون لها نفس التأثير بالضبط. […] لهذا تظل كل ترجمة ميتة، ذات أسلوب قسري، جامدة وغير طبيعية، أو تصبح حرة، وأعني بذلك إنها تكتفي بأن تكون على مقربة، ولهذا هي غير صحيحة. مكتبة من الترجمات تشبه صالة عرض مليئة بنسخ الرسومات الأصلية. وعلى وجه الخصوص ترجمات الكتّاب من العصور القديمة علاقتها بالنسخ الأصلية مثل علاقة قهوة الشيكوريا بالقهوة الحقيقية”.
– الترجمة الجديدة للتحف الادبية مرحب بها دائماً، حتى مع وجود ترجمة جيدة مسبقاً. الجميع مستفيد. القارئ؛ لأن لديه الاختيار أو لأنه لم يكتف من الكتاب بعد، لذا يستطيع أن يقرأ كلتا الترجمتين. الناشر؛ لأن بإمكانه توقع اهتمام متجدد بالعمل. والناقد والمترجم، لأن بإمكانهما الدخول في نقاش حول الترجمات المختلفة.
من كتاب “الكتابة مثل الاخر: حول ترجمة الادب”
يعود لأم والدي الفضل في أول تعارف لي مع القهوة. القصص التي روتها لأحفادها، كانت كلها غريبة.
إحدى هذه القصص عن القهوة. حكت جدتي بأنها شربت أول كوب قهوة في خان في البلد الجار العراق في طريقها لزيارة مدينة كربلاء المقدسة:
بعد رحلة دامت لأسبوع في الصحراء على ظهر الجمال، وصلنا ذات مساء مع أختيّ الكبيرتين إلى خان حيث استرحنا فيه لعدة أيام. منهكات من التعب، فرشنا السجادة عند الحائط، جلسنا ومددنا سيقاننا المتشنجة. رجل أثيوبي مع موقد فحم في يده وسلة على ظهره، سأل إن كنا نرغب بشرب القهوة. نعم، نرغب بذلك بكل تأكيد. أحرق الاثيوبي بعض القهوة، وطحنها على الفور، أعد الشراب في قدر صغير وصبه في ثلاث طاسات.
لم نشرب قهوة من قبل قط. من خلال افتتاننا بالرائحة واللون والمذاق الفريد المر للقهوة مع حلاوة قطع السكر التي وضعناها في فمنا قبل ذلك، استمتعنا بهذه المعرفة الأولى وطلبنا كوباً آخر. لكن دون أن ندرك ذلك، كنا قد فعلنا حماقة. شربنا القهوة على معدة فارغة، لم نكن نعرف بأن القهوة شراب قوي. نحن، اللواتي كنا متعبات ومهذبات دائماً، نحن، اللواتي كن هادئات دائماً، بدأنا الكلام بصوتٍ عالٍ. قهقهنا. اعطت القهوة مفعولها وأوقعنا أزواجنا في الحرج. نظراً لسلوكنا السخيف طلبنا المغفرة عند الامام الحسين المقدس.
مقطع من كتاب “الغراب”
سمعت قصة عن عجائز صينيات يعتقدن أن مهمتهن في الحياة قد انتهت ولاحظن أن أجسادهن قد أُنهكت. يستخدمن أرواحهن بأن يتمنين الموت لأنفسهن. يُجنبن أنفسهن الآلام. يتسلقن مع جيرانهن جبلاً، وهناك يودعن العائلة ويبقين لوحدهن على الجبل. ويتمنين الموت لأنفسهن. وبعد ذلك بوقت قصير جداً يتوفين، لأن أرواحهن غادرت أجسادهن ببساطة وتوقف التنفس وضربات القلب. الموت بالنسبة لهن اختيار وليس نتيجة. اتضح أن أرواحنا تمارس نشاطاً قوياً عن طريق التنويم المغناطيسي. الأمر مختلف معي. أنا أصارع من أجل كل دقيقة أقضيها إلى جانب حبيبي پيتر.
من كتاب “في البحث عن السماء”
قال الدكتور ريان بأنه سعيد بقدومنا. ثم تردد للحظة.
“تَسا، أخشى أن لدي أخبار سيئة لكِ” قال، “انتشر السرطان إلى السائل الدماغي في حبلك الشوكي”
“هل هذا فظيع؟” سألت مازحة.
لكنه لم يضحك. “فظيع جداً. انتشر بسرعة أكبر مما توقعنا” انتظر للحظة.
“أستطيع نصحك فقط بأن تفعلي كل ما يحلو لكِ” قال بلطف.
حاول أبي أن لا يبكي، لكن ثمة دموع كبيرة صامتة سقطت في حجره.
“والآن؟” سأله أبي
تحدث دكتور ريان عن أدوية جديدة. سوف لن تنفعني، لكن أدوية أخرى ربما تنفع.
سوف يحدث حقاً الآن. سوف لن أذهب إلى المدرسة بعد الآن. سوف لن أكون مشهورة أبداً. سوف لن أدرس أو أعمل. سوف لن أسافر، لن أكسب المال. لن أحب أبداً.
أنا مريضة منذ فترة طويلة، سمينة وأشعر بالغثيان من الأدوية. جلدي مبقع، شعري يتساقط ويجب أن أتقيأ كثيراً مرة بعد أخرى. هذا ليس عدلاً. لا أريد الموت بهذه الطريقة. أريد أن أعيش قبل أن أموت.
من رواية “قبل أن أموت” للكاتبة البريطانية جيني داونهام
– كان رئيسي في العمل يحكي لي دائماً تلك القصص الدينية والرمزية من القرآن بهدف استنباط العبرة منها، وهذا ما كان يمنحني شعوراً بعدم الارتياح. بالتالي حكيت له قصة الأمير أوديب لأمنحه الشعور بعدم الارتياح، وفي نهاية الأمر تصرفت على أني شخصية رئيسية في القصة التي حكيتها. كان هذا هو السبب الذي أبقى رئيسي في العمل في قعر البئر، بسبب قصة، أسطورة.
– الأيرانيون ليسوا مثلنا نحن الأتراك الذين نسوا شعرائهم وأساطيرهم في الماضي عن طريق تغريبهما. خاصة شعرائهم، لا ينسونهم.
– لكني وجدت أن التشابه بين الإيرانيين والاتراك ساحراً. لم استعجل العودة إلى إسطنبول، تسكعت في شوارع طهران ومن شوارع التسوق إلى متاجر بيع الكتب (كان فيها الكثير من الترجمات لكتب نيتشه!) وجدت كل شيء مدهش. إيماءات الرجال في الشارع، وتعبيرات وجوههم، ولغة جسدهم، والطريقة التي يبقون فيها واقفين أمام الباب للسماح لبعضهم بالدخول، كيف يتسكعون دون هدف ويقتلون الوقت بتدخين السجائر، كان هذا يشبه سلوكنا، نحن الاتراك، تماماً. حركة المرور في طهران رعب كبير كما هو الحال في إسطنبول. عندما بدأنا في تركيا التوجه إلى الغرب نسينا إيران. دخلت في متاجر الكتب في شارع الثورة ووقفت مذهولاً من التشكيلة المتنوعة من الكتب.