أولًا: فرعون… حين يصبح الإنسان مركزًا للعالم

كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات 

لا يبدأ القرآن قصة فرعون من الجملة التي صارت عنوانًا لطغيانه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾، فهذه ليست البداية، وإنما هي الذروة التي وصلت إليها حركة طويلة في النفس والسلطة والمجتمع.

والقرآن حين يروي لنا قصة موسى وفرعون في مواضع متعددة، لا يقدم سيرة سياسية مكتملة بالمعنى الذي نعرفه في كتب التاريخ، وإنما يلتقط اللحظات التي تكشف الإنسان من داخله، وتكشف في الوقت نفسه البيئة التي صنعها حول نفسه.

ولهذا فإن أول ما يستوقفنا في صورة فرعون قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾، إنها جملة تبدو في ظاهرها وصفًا لنظام حكم، لكنها في عمقها تصف حركة إنسان داخل السلطة… علا في الأرض، فلم تعد السلطة عنده وظيفة يؤديها، وإنما صارت ارتفاعًا على الناس.

ثم لم يكتف بأن يعلو، بل احتاج لكي يستقر علوه إلى أن يقسم المجتمع: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، وهنا يحدث شيء بالغ الدلالة، فالإنسان الذي يضع نفسه في موضع أعلى من الناس لا يستطيع أن يبقيهم جميعًا على صورة واحدة من المساواة؛ لأن المساواة تناقض الصورة التي أقامها عن نفسه، فإذا كان هو في الأعلى، فلا بد أن يكون هناك من هم في الأسفل. ومن هنا يأتي الاستضعاف: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾.

لكن القرآن لا يتركنا عند هذا الوصف العام، بل يكشف لنا طبيعة هذا الاستضعاف: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، فالسلطة هنا لم تعد تكتفي بإدارة المجتمع، وإنما دخلت إلى أعمق ما يملكه الإنسان: أمنه، وأسرته، ومستقبل أبنائه… إنها لا تريد فقط أن يطيع الناس، بل تريد أن تعيد تشكيل شروط وجودهم نفسها.

ومع ذلك تأتي الجملة التي تضع كل هذا في موضعه: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، فالفساد في القرآن ليس مجرد مخالفة أخلاقية جزئية، وفي قصة فرعون يبدو كأنه نتيجة طبيعية لبنية اختل فيها موقع الإنسان من نفسه ومن الناس ومن الحقيقة، فحين تتحول السلطة إلى علو، يصبح الإنسان الآخر قابلًا للتقسيم والاستضعاف، وحين يصبح بقاء السلطة هو الغاية، يصبح كل شيء مستباحا _ حتى لو كان قتل أطفال لمجرد أن سيادته رأى في المنام أنهم سيكونون خطرا عليه_، وتصبح حياة الناس مادة في حساب القوة.

ثم يذهب القرآن إلى مشهد آخر، يكشف لنا شيئًا أعمق حين يقول فرعون لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾. تأمل حركة تفكيره، فهو لا يبدأ بالحجة، وإنما يبدأ بما يملك… الملك والأنهار والأرض، المشهد المادي كله يتحول إلى شهادة على استحقاقه، كأن امتلاك الأشياء يمنحه حق امتلاك الحقيقة، دون سؤال عن كيف امتلك، وإلى متى سيظل مالكا، وما استحقاقات ملكه!!

ثم يقول: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾… وهذه العبارة ربما تكون أخطر مما تبدو، فهو لا يقول فقط: أنا أملك إذن أنا أقوى، بل يقول: أنا أملك، فلماذا لا ترون ما أراه؟ وكأن الواقع الذي صنعته السلطة ينبغي أن يصبح معيار الإدراك عند الناس، ثم يقارن نفسه بموسى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾.

وهنا تظهر طبقة أخرى من البناء الفاسد وهي إعادة تعريف قيمة الإنسان من خلال المظهر والمكانة والقدرة على التأثير، موسى في نظر فرعون لا يملك القصور ولا الأنهار ولا الذهب، ولا يملك حتى القدرة على البيان التي يتصورها فرعون معيارًا للقوة: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾، ولذلك يصبح السؤال عند فرعون: من الأفضل؟ ليس من أصدق، ولا من أهدى، ولا من أعدل، وإنما من يملك ما يجعل صورته أعلى في ميزان القوة.

وهكذا لا يكتفي الإنسان الذي يحتل المركز إلى أن يمنع الحقيقة من الظهور فقط؛ بل أحيانًا يعمد إلى إعادة تعريف المعيار الذي تُقاس به تلك الحقيقة.

ثم تأتي الجملة التي تكشف العلاقة بين هذا التصور وبين الجماعة: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، لم يقل القرآن فقط إنهم أطاعوه بل قال: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ كأن الطاعة لم تبدأ عند الأمر، وإنما بدأت قبل الأمر؛ بدأت حين خفَّ عقل الجماعة، واستخفت إرادتها، وأصبحت قابلة لأن تُقاد بالصورة التي يصنعها الحاكم عن نفسه وعن العالم.

وهنا يتحول فرعون من فرد إلى نموذج حكم، ليس لأن كل نظام قوي هو فرعوني، ولا لأن كل حاكم مستبد يحمل صورة فرعون حرفيًا، وإنما لأن القرآن يكشف بنية يمكن أن تتكرر: سلطة تعلو، ثم تقسّم، ثم تستضعف، ثم تصنع خطابها الخاص، ثم تعيد تعريف معايير القيمة، ثم تحتاج إلى مجتمع فقد قدرته على النظر المستقل.

ولهذا لم يكن فرعون وحده في المشهد، كان حوله الملأ… أو بالتعبير الحالي: النخبة أو الصفوة… وكان هناك السحرة، وكان هناك جنوده، كل هؤلاء لهم عالمهم الخاص، عالمهم المادي وعالمهم المعنوي الذي لا يخضع لمنطق دين أو أنماط اجتماعية مؤسسة على قيم حقيقية، وهناك في المقابل، في”الأسفل” مجتمع آخر، بقيم أخرى يتحرك بدرجات مختلفة من الخضوع والمقاومة.

ومن هنا تصبح قصة فرعون أكبر من قصة رجل ضل الطريق، إنها صورة لما يحدث حين تنتقل مشكلة الإنسان من داخله إلى مؤسسة، وحين تصبح الفكرة التي يحملها فرد قادرة على أن تعيد ترتيب حياة مجتمع كامل.

( نص من القسم الثاني من كتابنا المقبل إن شاء الله … هكذا يبنيك القرآن)

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *