كيف أعاد القرآن هندسة مفهوم الخسارة، حتى لا تصبح كل مصيبة خسرانًا، ولا كل فقد هزيمة؟

كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات 

من أشد ما يستقر في النفس البشرية أن الفقد هزيمة، وأن الألم علامة خسارة، وأن الذي يخرج من معركةٍ مثخنًا بالجراح هو الخاسر، بينما المنتصر هو من عاد محمولًا على أكتاف الناس، تحيط به الغنائم، وتسبقه عبارات الإعجاب.

ولذلك كانت البشرية عبر تاريخها الطويل تكتب أسماء المنتصرين بالطريقة نفسها، من بقي حيًا فهو المنتصر، ومن احتفظ بملكه فهو الرابح، ومن خرج بأكثر الغنائم فهو الفائز.

لكن القرآن مرة أخرى لا يناقش النتائج، وإنما يعيد هندسة الميزان الذي تُقرأ به النتائج، إنه يريد أن يحرر الإنسان من سلطان المشهد الأول؛ لأن الحقيقة في كثير من الأحيان لا تظهر عند انتهاء هذا المشهد، وإنما عند انتهاء العمر.

ولهذا يلفت النظر أن القرآن كلما عرض قصة من قصص المؤمنين، لم يبدأ بما فقدوه وإنما بما ربحوه عند الله، فهؤلاء السحرة في سورة طه، منذ ساعات قليلة كانوا يقفون في صف فرعون، ينتظرون الجائزة ويطمعون في القرب من السلطان، قالوا صراحة: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾، يتحدثون بلغة السوق، بلغة المكسب، بلغة العائد، فإذا بهم في لحظات معدودة، وبعد أن يروا آية الله ينقلب ميزانهم كله، لم يعد السؤال: ماذا سنكسب؟ بل أصبح السؤال: كيف نلقى الله؟.

ولهذا لم تكد العصا تلقف ما صنعوا، حتى خروا سجدًا، وفي اللحظة نفسها خسروا كل شيء بلغة الدنيا… خسروا رضا فرعون، وخسروا مناصبهم، وخسروا أموالهم، بل وخسروا حياتهم نفسها، ووقف فرعون يهددهم: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾.

ولو كانت الموازين موازين البشر، لانتهت القصة هنا بإعلان هزيمة كاملة، لكن القرآن لا يقرأ المشهد بهذه الطريقة، إنه ينقل أبصارنا من الأرض إلى السماء، ومن لحظة الموت إلى ما بعدها، فنسمع السحرة يجيبون بلسان لم يكونوا يعرفونه قبل ساعة واحدة ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، ثم يكشفون سر هذا التحول كله: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾.

لقد خسروا الحياة، وربحوا الأبد، وخسروا القرب من فرعون، وربحوا القرب من الله، وخسروا أعين الناس وربحوا عين السماء.

وهكذا يعيد القرآن هندسة مفهوم الخسارة، حتى لا يظن المؤمن أن ما يسقط من يده هو كل ما ضاع منه.

ثم يقودنا القرآن إلى مشهد آخر لا يقل روعة، مشهد أصحاب الأخدود… وهو مشهد لو أراد مؤرخ عاين نهاية القصة أن يكتبها لكتبها في سطر واحد: “أُحرق المؤمنون بالنار.”

هذه هي النتيجة بلغة الأرض، لكن القرآن لا يبدأ من النار ولا ينتهي عندها، بل يبدأ بالإيمان الذي سبقها، وينتهي بالجنة التي تجاوزتها ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾.

تأمل… لم يقل: ذلك التعويض، ولا: تلك الجائزة، بل قال: ﴿ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ أي أن الذين خرجوا من الدنيا محترقين، هم أنفسهم الذين خرجوا منها فائزين.

إن القرآن هنا لا يخفف ألم البلاء، بل يغير تعريف النتيجة، واليقين في هذا التعريف هو ما يضبط بوصلة الإنسان، فيستطيع التعامل مع أقسى ما يمكن لبشر أن يلقاه وهو طيب النفس، مطمئن القلب، غير عابئ بما يعبأ به غيره.

ثم يأتي مشهد الهجرة، ترك الصحابة بيوتهم وأموالهم وتجارتهم وأرضهم وأحيانًا آباءهم وأبناءهم… ولو قاس أحد هذه الرحلة بلغة الاقتصاد، لقال: إنها صفقة خاسرة بكل المقاييس.

لكن القرآن يقرأها قراءة أخرى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ إنه لا يذكر ما فقدوه ليبكي عليه، بل ليكشف ما كان يحركهم وهم يفقدونه ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾.

لقد كان الربح منذ البداية في مكان آخر، ولهذا لم يشعروا أنهم خرجوا من مكة خاسرين، بل خرجوا وهم يحملون أثمن ما يمكن أن يحمله إنسان وهو رضا الله.

ثم يبلغ القرآن ذروة هذا المعنى في الحديث عن الشهداء، فلا يكتفي بأن ينفي عنهم الموت، وإنما ينهانا أصلًا عن وصفهم بما تراه أعيننا نهيا صريحا ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾، وفي آية أخرى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾.

لاحظ دقة التعبير ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ أي لا تدع الحسابات الظاهرة تخدعك، إن ميزانك يحتاج إلى إعادة بناء، فما تراه خسارة قد يكون عند الله حياة، وما تراه نهاية، قد يكون بداية.

وهنا يكتمل البناء الذي يقوده القرآن منذ أول هذا الفصل، فالقرآن لا يعلم المؤمن كيف يتحمل الخسارة فحسب، بل يعيد هندسة مفهوم الخسارة نفسه، حتى يصبح قادرًا على التفريق بين ما يفقده من يده وما يبقى في ميزانه.

إن الدنيا قد تنزع من الإنسان ماله، وقد تنزع صحته، وقد تنزع وطنه، وقد تنزع أحب الناس إليه، لكنها لا تستطيع أن تجعله خاسرًا إلا إذا نزعت منه إيمانه، أو باع هو يقينه، أو خرج من الدنيا وقد ربح كل شيء إلا رضا الله.

ولهذا فإن القرآن يربي المؤمن على سؤال لا يكاد يسأله أهل الدنيا لأنفسهم، ليس: ماذا فقدت؟ بل: ماذا بقي لك عند الله؟ فإذا بقي الله، لم يكن ما مضى هو الخسارة الحقيقية، وإذا ضاع الله من القلب، فلن تنفع الإنسان كنوز الأرض كلها.

وهكذا يعيد القرآن هندسة مفهوم الخسران، حتى يحرر المؤمن من رهبة الفقد، ويعيد هندسة مفهوم الفوز، حتى لا يظن أن الفائز هو من امتلأت يداه، بل من امتلأ قلبه واستقرت قدمه على الطريق حتى لقي ربه وهو يحمل أعظم الأرباح التي لا تعرفها أسواق الدنيا

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *