الدكتور/ فهد بن محمد بن حمد السليِّم
عميد كلية أصول الدين سابقاً
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الفاضل.
أسأل الله أن يحفظكم ويبارك في علمكم.
لدي أمر يشغل فكري، وأرجو منكم النصح والتوجيه.
كنت قد خرجت سابقًا إلى موريتانيا مع أسرتي طلبًا للعلم الشرعي، ثم عدت – والحمد لله – إلى بلدي. والآن أفكر في العودة مرة أخرى إلى موريتانيا، لكنني أواجه بعض العوائق.
فمن جهة، يعاتبني أفراد أسرتي الكبيرة ويقولون إنني لا أستقر في مكان، وإنما أنتقل من بلد إلى آخر.
ومن جهة أخرى، فقد أنهيت دراسة الليسانس، وأنا أعمل مدرسًا للغة الإنجليزية، وترغب أسرتي في أن أبقى في بلدي حتى ألتحق بالوظيفة العمومية، وأنا أيضًا أرى أن ذلك فيه مصلحة.
ولكن كلما فكرت في مستقبل أولادي ترددت؛ فأنا أتمنى أن ينشؤوا على طلب العلم الشرعي، وفي بلدي يصعب ذلك على من كانت إمكاناته المادية محدودة، لأن مراكز تعليم القرآن والعلوم الشرعية مكلفة.
أما في موريتانيا فأستطيع – بإذن الله – أن أعيش مع أسرتي بإمكانات بسيطة، وفي الوقت نفسه يجد أولادي بيئة مناسبة لحفظ القرآن وطلب العلم الشرعي، وهو ما أتمناه لهم.
فبماذا تنصحونني، شيخنا؟ وهل ترون أن أبقى في بلدي طلبًا للاستقرار والوظيفة، أم أعود إلى موريتانيا طلبًا للعلم وليتربى أولادي في بيئة علمية؟
جزاكم الله خيرًا، وبارك فيكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياك الله أخي الكريم، وأسأل الله العظيم أن يبارك فيك وفي ذريتك، وأن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويكتب لك الخير حيث كان.
إن حرصك على تربية أولادك على القرآن والعلم الشرعي هو مقصد شريف ودليل على توفيق الله لك، فالاستثمار في الأبناء هو التجارة الرابحة التي يبقى أثرها في الدنيا والآخرة.
المسألة التي تفكر فيها هي من مسائل “الموازنة بين المصالح والمفاسد”، والجواب والنصيحة التي أراها لك تتلخص في:
أن تجمع بين المصلحتين دون تضحية بأحدهما؛ وذلك بالاستقرار في بلدك حالياً حتى تؤمن الوظيفة العمومية وتبني قاعدة مالية مستقرة، مع وضع خطة بديلة وقوية لتعليم أولادك في بلدك، وتأجيل فكرة السفر لموريتانيا حتى يقوى عود الأبناء أو يتغير وضعك المادي.
وإليك تفصيل هذه النصيحة بناءً على المعطيات التي ذكرتها:
مصلحة الاستقرار والوظيفة العمومية:
تأمين العيش الكريم واجب شرعي: السعي على الأبناء وتأمين مستقبلهم المادي بالوظيفة المستقرة هو عبادة وقربة تبرأ بها الذمة، والنبي ﷺ قال: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ».
الاستقرار النفسي والاجتماعي: عتاب الأسرة الكبيرة لك له وجه من النظر؛ فكثرة التنقل وعدم الاستقرار قد تؤثر سلباً على نفسية الأبناء وعلاقاتهم الاجتماعية بقرابتهم وأرحامهم، والاستقرار يساعدك على التخطيط طويل المدى.
قوة ومكانة المعلم: شهادة الليسانس وعملك كمدرس لغة إنجليزية هي ميزة كبيرة، والوظيفة العمومية ستمنحك الأمان المالي والاجتماعي الذي يعينك لاحقاً على التفرغ لتربية أولادك أو حتى الإنفاق على تعليمهم الشرعي.
معالجة مخاوفك بشأن تعليم الأولاد في بلدك:
قولك إن مراكز تعليم القرآن والعلوم الشرعية مكلفة في بلدك هو تحدٍّ واقعي، ولكن يمكن تجاوزه بالبدائل التالية:
التعليم المنزلي والمباشر منك: أنت قد سافرت لطلب العلم في موريتانيا سابقاً، وهذا يعني أن لديك حصيلة شرعية طيبة؛ فابدأ أنت بتأسيس أولادك، وكن أنت شيخهم ومربيهم في مراحلهم الأولى (تلقين القرآن، مبادئ العقيدة، الفقه الميسر).
استغلال التقنية والتعليم عن بعد: اليوم بفضل الله توجد أكاديميات شرعية ومقارئ قرآنية عالمية وموثوقة (وكثير منها مجاني أو برسوم رمزية جداً)، يمكن للأبناء من خلالها حفظ القرآن ودراسة المتون الشرعية وهم في بيتك وتحت رعايتك.
البحث عن الكتاتيب والمساجد:
غالباً لا تخلو البلاد الإسلامية من مساجد أو متطوعين يقرؤون القرآن ويعلمون العلم دون مقابل، فابحث عن البيئات الصالحة في محيطك.
متى تكون العودة لموريتانيا خياراً مناسباً؟
البيئة المحظرية في موريتانيا لا يعلى عليها في حفظ المتون والقرآن، ولكن يمكنك جعلها خطة مستقبلية وليس الآن:
يمكن تأجيل السفر حتى يكبر الأبناء قليلاً (في سن المراهقة أو الشباب) ويصبحوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم، فيذهبوا هناك لطلب العلم بمفردهم أو تصحبهم في إجازات ممتدة (كالإجازة الصيفية) دون أن تخسر وظيفتك المستقرة.
السفر بإمكانات بسيطة جداً مع أسرة كاملة قد يعرضك لضغوط مادية أو صحية مفاجئة في الغربة، والاستقرار المالي أولاً يحميك ويحمي أسرتك من هذه التقلبات.
خطوات عملية أقترحها عليك الآن:
صلاة الاستخارة: استخر الله عز وجل بصدق في أمر البقاء والوظيفة، وفي أمر السفر.
التقديم الفوري على الوظيفة: ركز جهدك الآن في الحصول على الوظيفة العمومية والاستقرار.
وضع جدول تربوي للأبناء: لا تنتظر السفر، ابدأ من اليوم في بيتك بنظام حازم ومحبب للأبناء لحفظ القرآن والتربية الإيمانية.
منقول
وفق الله الجميع