لماذا تعجز الترسانة الخليجية عن حسم المواجهة؟.. معادلة الاستنزاف بين صواريخ إيران ومسيّرات الحوثيين ودفاعات الخليج

كتب دكتور/ شريف الجندي

عندما ننظر إلى حجم الإنفاق العسكري لدول الخليج، وما تمتلكه من مقاتلات متطورة مثل F-15 وF-16 وF-18، إلى جانب منظومات الدفاع الجوي الغربية الحديثة، قد يبدو للوهلة الأولى أن امتلاك هذه الترسانة كفيل بمنع أي تهديد إقليمي.

لكن الحروب الحدل تكلفة بكثير، ويمكن إنتاجها وتخزينها وإطلاقها من منصات متحركة أو مواقع يصعب اكتشافها.

وهنا تتحول المواجهة من سؤال بسيط: «هل تستطيع اعتراض الهجوم؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: «هل تستطيع الاستمرار في اعتراضه إذا تكرر الهجوم عشرات أو مئات المرات؟»

معركة الاستنزاف.. عندما تصبح تكلفة الدفاع أكبر من تكلفة الهجوم

في مواجهة الصواريخ والمسيّرات، لا تتوقف المسألة عند امتلاك منظومة دفاع جوي فعالة، وإنما تمتد إلى تكلفة تشغيلها، ومخزون الصواريخ الاعتراضية، وعمليات الصيانة، والجاهزية المستمرة، والقدرة على تعويض الذخائر التي يتم استهلاكها.

ولهذا، فإن استخدام صاروخ اعتراضي مرتفع التكلفة ضد هدف منخفض التكلفة قد يخلق معادلة اقتصادية صعبة، خصوصًا إذا استطاع الخصم تنفيذ هجمات متكررة بأعداد كبيرة.

وهذه إحدى أبرز التحديات التي تواجهها منظومات الدفاع الجوي في الحروب الحديثة: ليس المطلوب اعتراض هجوم واحد فقط، وإنما الحفاظ على القدرة الدفاعية طوال فترة صراع قد تمتد لأسابيع أو أشهر أو أكثر.

لماذا لا تكفي المقاتلات المتطورة وحدها؟

المقاتلة الحديثة تمثل سلاحًا بالغ القوة، لكنها تعتمد على منظومة ضخمة حتى تستطيع العمل بكفاءة؛ مطارات وقواعد جوية، وطيارين، ووقود، وقطع غيار، وصيانة، وذخائر، ومدارج ومنشآت تحتاج إلى الحماية.

في المقابل، تعتمد الجماعات المسلحة والقوى التي تخوض حربًا غير تقليدية على أساليب مختلفة، من بينها الانتشار، وإخفاء منصات الإطلاق، واستخدام مواقع متحركة، وتخزين الأسلحة في أماكن يصعب استهدافها، إضافة إلى الاعتماد على أسلحة منخفضة التكلفة نسبيًا.

وهنا تظهر واحدة من أصعب معضلات الحرب الحديثة: كيف تواجه خصمًا لا يقدم لك هدفًا تقليديًا واضحًا؟

الحوثيون وإيران.. نموذج لحرب مختلفة

الحالة الإيرانية، وكذلك تجربة الحوثيين خلال سنوات الصراع في اليمن، توضحان إلى حد كبير طبيعة هذه المعادلة.

فبدلًا من الاعتماد على تشكيلات عسكرية تقليدية تخوض معارك مفتوحة، يمكن استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة كأدوات ضغط بعيدة المدى، تستهدف مواقع ومنشآت حساسة، وتفرض على الطرف الآخر حالة من الاستنفار الدائم.

وبالنسبة لدول الخليج، فإن حماية منشآت الطاقة والمطارات والموانئ والقواعد العسكرية لا تعني فقط امتلاك منظومات دفاع جوي متقدمة، وإنما تتطلب أيضًا قدرة على اكتشاف التهديد مبكرًا، وتعقبه، واعتراضه، ثم إعادة بناء المخزون الدفاعي باستمرار.

الدرس الأهم: الحرب ليست سباق تسليح فقط

لهذا السبب، فإن تقييم القوة العسكرية لأي دولة لا يمكن أن يعتمد فقط على عدد الطائرات المقاتلة أو قيمة صفقات الأسلحة.

هناك عوامل أخرى لا تقل أهمية، من بينها القدرة على إنتاج الذخائر أو الحصول عليها، وسلاسل الإمداد، والمخزون الاستراتيجي، والصيانة، والقدرة الصناعية، والاستخبارات، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، والدفاع الجوي متعدد الطبقات.

فامتلاك أحدث الطائرات لا يكفي وحده، كما أن امتلاك منظومة دفاع جوي متطورة لا يعني أن السماء أصبحت محصنة بصورة مطلقة.

القوة الحقيقية تظهر عندما تستطيع الدولة أن تقاتل وتحمي منشآتها وتحافظ على جاهزيتها، ثم تعوض ما استهلكته من ذخائر ومعدات طوال فترة الحرب.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: من يمتلك عددًا أكبر من مقاتلات F-15 أو F-16؟

بل: من يمتلك القدرة على الاستمرار في القتال والدفاع والإمداد عندما تطول الحرب وتتحول المواجهة إلى معركة استنزاف؟

وهنا تصبح «القدرة على التحمل» جزءًا أساسيًا من القوة العسكرية، إلى جانب التكنولوجيا والمال والتسليح.

ويبقى السؤال مفتوحًا: إذا استمرت قدرات الحوثيين ع هذهلى تهديد الملاحة والمنشآت في المنطقة، فهل يمكن أن تتطور المواجهة مستقبلًا إلى تهديد مباشر للأراضي السعودية؟

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *