الأومباشي سيد سليمان.. أول جندي مصري تتصدر صورته طابع بريد بعد ثورة يوليو

كتب دكتور/ شريف الجندي

في واحدة من القصص اللافتة التي ارتبطت ببدايات العهد الجديد عقب ثورة يوليو 1952، اختارت مصلحة البريد المصري صورة أحد الجنود المصريين لتظهر على طابع بريد، ليصبح الأومباشي سيد سليمان كريم واحدًا من الوجوه التي مثّلت مصر على طوابع البريد في تلك الفترة.

بدأت القصة في نوفمبر عام 1952، عندما فكرت مصلحة البريد في إعداد تصميمات جديدة لطوابع البريد تحمل ملامح «العهد الجديد»، فكان الاتجاه إلى اختيار نماذج حقيقية من أبناء الشعب المصري، باعتبارهم ممثلين لمختلف طبقاته، فظهرت تصميمات تحمل صور فلاحين وأخرى لجنود.

وعُرضت التصميمات على مجلس الوزراء، قبل رفعها إلى الرئيس محمد نجيب، الذي لم يقتنع في البداية بمجموعة الصور الخاصة بالجنود، فأُعيد البحث عن جندي آخر يمكن أن يجسد الصورة التي أرادها ممثلًا للجندي المصري.

وبعد اختيار الأومباشي سيد سليمان كريم، عُرضت صورته على الرئيس محمد نجيب، فجاءت الموافقة، وقال: «نعم.. هذا هو الجندي الذي يجب أن يمثل مصر»، لتبدأ بذلك حكاية وجه مصري أصبح حاضرًا على طابع بريد يتداول داخل مصر وخارجها.

كان سيد سليمان كريم يتمتع بملامح مصرية واضحة؛ وجه برونزي اكتسب سمرته من شمس مصر، ونظرات تحمل ملامح العزم والقوة والتأمل.

وُلد سيد سليمان كريم في 25 أكتوبر عام 1928 بقرية العسالقة، مركز شبين الكوم. وفي سنوات صباه، كان يذهب إلى المدرسة الإلزامية صباحًا، ثم يعمل في الحقل، قبل أن ينقطع عن العمل في الزراعة بعد إتمام دراسته، ويتجه إلى التجارة، متنقلًا بين الحقول وأسواق القرى.

ومع تفكيره في الزواج، وصل إليه استدعاء إدارة التجنيد، ليتغير مسار حياته ويلتحق بالقوات المسلحة في 14 فبراير 1950، حيث عُرف خلال فترة خدمته بأنه جندي مثالي ومتميز.

ولم يكتفِ سيد سليمان بأداء واجبه العسكري، بل حرص على تطوير نفسه، فتقدم إلى دراسات محو الأمية بين الجنود، وحقق الدرجات النهائية في جميع المواد. كما اجتاز في الأول من يوليو عام 1951 امتحان فرقة التربية البدنية والألعاب الرياضية، فكوفئ بشريط أحمر على ذراعه، وعُين مدربًا للتربية البدنية باتحاد القوات المسلحة.

واصل سيد سليمان تفوقه داخل المؤسسة العسكرية، فتقدم لامتحان الترقية إلى رتبة «أومباشي»، وفي الأول من نوفمبر عام 1952 استقر الشريط الأحمر الثاني على ذراعه.

كما تميز في استخدام البندقية الرشاش «لانكستر»، ليصبح مدربًا على استخدامها في المدفعية المحافظة بالقلعة.

كيف اختير سيد سليمان ليظهر على طابع البريد؟

روى سيد سليمان بنفسه تفاصيل اختياره، موضحًا أنه في نوفمبر عام 1952 اختير مع جنديين من وحدات أخرى، والتُقطت لهم صور، لكنه لم يكن يعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك، حتى بدأ يفقد الأمل في أن يحظى بشرف وضع صورته على طابع بريد.

وبعد نحو شهر، أرسلت المصلحة المختصة إلى المتحف الحربي تطلب إرسال عدد من الجنود لتصويرهم من جديد، وأُبلغت المدفعية المحافظة بالأمر، فاختار اليوزباشي عباس صدقي أربعة جنود من بين 72 جنديًا، وكان سيد سليمان واحدًا من هؤلاء الأربعة.

ذهب الجنود إلى المتحف الحربي، وأشرف الصاغ عبد الواحد الوكيل على ارتداء الزي الرسمي «القيافة» المخصصة للتشريفات، ثم التُقطت لهم عشرات الصور.

كان سيد سليمان يراقب زملاءه الثلاثة، ويحلم بأن يقع الاختيار عليه، وظل ينتظر النتيجة حتى بدأ اليأس يتسلل إلى نفسه، دون أن يعلم أن الاختيار كان قد وقع عليه بالفعل.

وفي صباح أحد الأيام، فوجئ بصورته منشورة في جريدة «الأهرام» داخل إطار الطابع البريدي الجديد.

لم يكد يستوعب المفاجأة حتى أحاط به زملاؤه، فرحين ومهنئين له بهذا الاختيار، بينما لم يكن أقاربه وأبناء بلدته قد علموا بعد بما حدث، وكان سيد سليمان يأمل أن تكون رؤيته للطابع مفاجأة سعيدة لهم عند عودته.

وهكذا تحولت صورة جندي مصري بسيط إلى صورة تحملها طوابع البريد، لتبقى قصة الأومباشي سيد سليمان واحدة من الحكايات اللافتة في تاريخ الطوابع المصرية خلال السنوات الأولى بعد ثورة يوليو.

وبعد سنوات طويلة من حياته، رحل الأومباشي سيد سليمان كريم عام 2016، تاركًا وراءه قصة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ مصر، حين اختير وجهه ليكون نموذجًا للجندي المصري على طابع بريد.

رحم الله الأومباشي سيد سليمان كريم، وأسكنه فسيح جناته.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *