اللواء الركن السعودي الدكتور خالد بن سفر شويل الغامدي.. من «عرين الأسود» إلى عمق الاستراتيجية

كتب/ حسن الجندي

أربعة عقود بين ميادين العمل العسكري والدراسات الاستراتيجية.. وتجربة تستحضر الميدان وتقرأ تحولات الإقليم

في مسيرة تمتد لأكثر من أربعة عقود، تتقاطع الخبرة العسكرية مع الدراسة الأكاديمية، وتتجاور ذاكرة الميدان مع أدوات التحليل الاستراتيجي، يبرز اسم اللواء الركن المتقاعد الدكتور خالد بن سفر شويل الغامدي، أحد أصحاب التجارب الممتدة في العمل العسكري والدراسات الدفاعية والاستراتيجية، والمتخصص أكاديمياً في قضايا الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة.

من قرية «العبالة» في ربوع منطقة الباحة بدأت الحكاية، في بيئة قروية بسيطة غرست في وجدان صاحبها قيم الانتماء والتكافل والمسؤولية، قبل أن تقوده خطواته إلى كلية الملك عبدالعزيز الحربية «عرين الأسود»، ومنها إلى سلاح المدرعات بالقوات البرية الملكية السعودية، ليواصل مسيرة مهنية شملت مواقع ومهام قيادية متعددة، كان من بينها العمل معلماً ومديراً للشؤون الأكاديمية بكلية الحرب، ورئيساً لهيئة عمليات القوات البرية، ثم رئيساً لهيئة عمليات القوات المشتركة، وصولاً إلى رئاسة هيئة الركن للقوات المشتركة.

وفي هذا الحوار، الذي يأتي ضمن سلسلة «مواقف ومذكرات أمنية»، يستعيد الدكتور الغامدي جانباً من طفولته وتكوينه الأول، ويتوقف عند أبرز محطات مسيرته العسكرية، كما يتحدث عن تجربته في العمليات المشتركة، ودراسته للجماعات المسلحة والحرب بالوكالة، وقراءته للتحولات الأمنية والاستراتيجية في المنطقة، فضلاً عن رؤيته لدور الإعلام في بناء الوعي الوطني، وأهمية القدوة والقيم في حياة الإنسان.

البدايات.. قرية «العبالة» وجذور التكوين

يعرّف اللواء الركن الدكتور خالد بن سفر شويل الغامدي نفسه بأنه ابن قرية «العبالة»، إحدى القرى الصغيرة التابعة لبني ظبيان من قبيلة غامد، حيث تشكلت سنوات طفولته الأولى وسط مجتمع قروي متماسك، كانت قيم التراحم والتكافل والانتماء جزءاً أصيلاً من تفاصيل الحياة اليومية.

ويقول إن البيئة التي نشأ فيها جمعت بين صلابة الجبال واتساع الوادي، وكانت الطبيعة والمجتمع معاً يقدمان دروساً مبكرة في القوة واللين والعطاء.

ويستعيد الغامدي صورة مجتمع كان يعتمد فيه الناس بعضهم على بعض، فيما كان وصول العالم الخارجي محدوداً بالراديو وحكايات العائدين من المدن، قبل أن تحمل السنوات التالية تحولات اجتماعية وتنموية واسعة.

ورغم تغير ملامح الحياة، بقيت القرية حاضرة في وجدانه، ولا سيما بعد انتقال والدته، رحمها الله، إلى جدة للعلاج عام 2012، ثم رحيلها إلى رحمة الله، فأصبحت «العبالة» بالنسبة إليه أكثر من مكان للنشأة؛ صارت ذاكرة للأم والبدايات والوجوه التي أسهمت في تكوين شخصيته.

ويشير كذلك إلى اعتزازه بابنتيه؛ إحداهما استشارية في الجراحة، والأخرى تعمل في السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية، معتبراً ذلك امتداداً لمسيرة الأسرة في العلم والمسؤولية وخدمة الوطن.

من التعليم العام إلى «عرين الأسود»

تلقى الغامدي تعليمه العام في مدارس المنطقة، بينها ابتدائية وادي العلي ومتوسطة وثانوية النجاح، مستذكراً الدور الذي أداه والداه، رحمهما الله، في متابعة مسيرته التعليمية، إلى جانب عدد من المعلمين الذين تركوا أثراً في شخصيته.

ويخص بالذكر معلمه في الصف الأول الابتدائي الأستاذ علي يحيى الفاران، رحمه الله، ومدير ثانوية النجاح الأستاذ المربي الشيخ محمد بن عبدالله آل غنام الغامدي، متوقفاً عند ما تركاه من أثر علمي وسلوكي في تكوينه.

ثم جاءت الخطوة الفارقة بالقبول في كلية الملك عبدالعزيز الحربية، التي يصفها بـ«عرين الأسود»، حيث أمضى ثلاثة أعوام من الدراسة والتدريب، رأى فيها مرحلة أساسية في بناء شخصيته العسكرية وإعداده لتحمل المسؤولية.

وكان من بين القادة الذين يستذكرهم من تلك المرحلة قائد الكلية اللواء الركن عبدالعزيز بن عبدالله الدغيم، ومساعده العميد الركن عبدالله محمد أمسواري الغامدي، رحمهما الله، باعتبارهما نموذجين في القيادة والسلوك.

وبعد التخرج، التحق بسلاح المدرعات في القوات البرية الملكية السعودية، ليبدأ مسيرة عسكرية طويلة امتدت لأكثر من اثنين وأربعين عاماً.

لماذا اختار الطريق العسكري؟

يرى الغامدي أن اختياره للمجال العسكري لم يكن مجرد اختيار مهني، وإنما ارتبط منذ البداية بإيمان راسخ بأن خدمة الوطن والدفاع عن أمنه ومقدراته مسؤولية وشرف.

ويؤكد أن البيئة الأسرية والمجتمعية التي نشأ فيها كانت تنظر إلى العمل بإخلاص باعتباره صورة من صور خدمة الوطن، وأن هذا المفهوم تحول مع الوقت من رغبة مبكرة إلى مسار حياة كامل.

أكثر من 42 عاماً بين مناطق المملكة ومواقع المسؤولية

تنقل خلال مسيرته العسكرية بين عدد من مناطق المملكة، شملت المنطقة الجنوبية والشمالية والشرقية والشمالية الغربية، ثم عاد إلى المنطقة الجنوبية، قبل أن يصل إلى المنطقة الوسطى.

ويصف هذه السنوات بأنها مرحلة ثرية بالواجبات والمسؤوليات والخبرات، مؤكداً اعتزازه بكل محطة مر بها.

ومن أبرز المواقع التي تولّاها: العمل معلماً ومديراً للشؤون الأكاديمية بكلية الحرب، ورئاسة هيئة عمليات القوات البرية، ثم رئاسة هيئة عمليات القوات المشتركة، وصولاً إلى رئاسة هيئة الركن للقوات المشتركة.

ويعتبر أن هذه المسؤوليات عززت لديه أهمية التخطيط والعمل المؤسسي وتكامل الجهود، وأتاحت له الانتقال من الخبرة الميدانية إلى مستويات أوسع من العمل العملياتي والاستراتيجي.

رئاسة هيئة الركن للقوات المشتركة.. مسؤولية في ذروة العمل القيادي

كان آخر منصب تولّاه في الخدمة العسكرية هو رئيس هيئة الركن للقوات المشتركة، وهو موقع يصفه الغامدي بأنه يمثل ذروة العمل القيادي في بيئة تحتاج إلى الانضباط والتخطيط وإدارة الموارد وتنسيق الجهود بين مختلف القوات.

ويرى أن طبيعة هذا الموقع تجمع بين العمل العملياتي والاستراتيجي، وتضع المسؤول أمام مسؤوليات وطنية تتعلق بالأمن والاستعداد والجاهزية، مع إدراك كامل لخصوصية المعلومات التي تحكم مثل هذه المواقع.

بين الميدان والتحليل.. التجربة التي تصنع الرؤية

وعند الحديث عن تقييم مسيرته، يضع الغامدي المسألة في إطار أكثر هدوءاً، مؤكداً أن التقييم الحقيقي لأداء القائد العسكري والمسؤول الاستراتيجي تملكه الجهات والقيادات القادرة على قياس النتائج والأثر.

لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الجمهور يملك قدرة مختلفة على قراءة أثر التجربة وصدقها، وأن الإنسان في نهاية المطاف لا يُقاس فقط بالموقع الذي شغله، وإنما بما تركه من أثر.

ويرى أن ما ميّز تجربته عن مجرد أداء وظيفي هو اعتبار المسؤولية التزاماً يومياً، وليس وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات العمل، مؤكداً أن القيادة في جوهرها ليست موقعاً بقدر ما هي قدرة على التأثير وتحمل المسؤولية واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

تحرير الكويت وعاصفة الحزم وإعادة الأمل

عايش الغامدي خلال خدمته العسكرية عدداً من المحطات والأحداث المفصلية، من بينها تحرير الكويت، وأحداث مملكة البحرين، ثم العمل ضمن القوات المشتركة خلال عمليتي عاصفة الحزم وإعادة الأمل.

ويصف تلك التجارب بأنها محطات مهمة في مسيرته المهنية، لأنها أكدت له أهمية وضوح الهدف الاستراتيجي، ووحدة القيادة، وتكامل الأدوار، ودقة التنسيق بين المستويات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.

ومن واقع تجربته، يرى أن العمليات المشتركة لا تنجح بالقدرة العسكرية وحدها، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين التخطيط والقيادة والتنسيق والاستعداد.

الدكتوراه.. من قراءة الحدث إلى فهم أسبابه

لم تتوقف مسيرة الغامدي عند الخبرة العسكرية، إذ حمل درجة الدكتوراه في مجال الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة، وهو تخصص يقول إنه أضاف إلى خبرته الميدانية بعداً تحليلياً أوسع.

ويختصر الفرق بين الميدان والبحث العلمي بقوله إن التجربة ترى الحدث، بينما يحاول البحث العلمي تفسير ما وراءه.

ومن خلال هذا التخصص، درس تحولات الصراعات الحديثة، ودور الجماعات المسلحة، وشبكات التمويل والتسليح والإعلام والعمليات السيبرانية، وكيف أصبحت بعض النزاعات تتجاوز المواجهة التقليدية بين الجيوش النظامية.

الحرب بالوكالة.. صراع بلا مواجهة مباشرة

يرى الغامدي أن لجوء بعض الدول إلى الحرب بالوكالة يرتبط برغبتها في إدارة الصراع عبر أدوات غير مباشرة، بما يتيح لها ممارسة الضغط والنفوذ مع تقليل كلفة المواجهة المباشرة.

لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن الوكلاء قد يتحولون بمرور الوقت إلى قوى تمتلك أجندات ومصالح خاصة، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الراعي والوكيل أكثر تعقيداً.

ويعتبر أن الجماعات المسلحة باتت أحد مصادر التهديد المعقدة في الأمن الإقليمي، لما تمتلكه بعض تلك الجماعات من قدرات عسكرية وإعلامية وسياسية، وتأثيرها في مسارات الصراع والملاحة وسلاسل التجارة.

اليمن وإيران والبحر الأحمر.. ملفات مترابطة

يرى الغامدي أن قراءة ملفات اليمن وإيران والبحر الأحمر لا ينبغي أن تتم بمعزل عن بعضها، لأن الجغرافيا الاستراتيجية وشبكات النفوذ والجماعات المسلحة أصبحت عوامل مترابطة في تشكيل المشهد الإقليمي.

ويؤكد أن التعامل مع هذه التحديات لا يقتصر على الردع العسكري، بل يحتاج كذلك إلى دعم مؤسسات الدولة، ومواجهة مصادر التمويل والتسليح، ومعالجة الجذور السياسية والاقتصادية والفكرية للصراعات.

كيف يبني قراءته الاستراتيجية؟

يعتمد الغامدي في تحليله، وفق حديثه، على ثلاث ركائز أساسية: القراءة التاريخية لفهم جذور السلوك السياسي، وتحليل عناصر القوة والبيئة المحيطة باستخدام أدوات مثل PESTEL وSWOT وخرائط النفوذ، ثم بناء السيناريوهات المستقبلية لاستشراف المسارات المحتملة ونقاط التحول.

ويرى أن علم الاستراتيجية ارتبط تاريخياً بالتفكير العسكري، من حيث التخطيط وإدارة الموارد وتقدير الموقف وصناعة القرار، وأن الجمع بين الدراسة الأكاديمية والخبرة الميدانية يمنح الباحث قدرة أوسع على قراءة الحدث في سياقه.

الإعلام والوعي الوطني

يولي الغامدي الإعلام مساحة واضحة في رؤيته، معتبراً أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح جزءاً من منظومة بناء الوعي.

ويرى أن الإعلام المهني يستطيع توثيق الجهود الوطنية، وتقديم التحليل المسؤول، وصناعة القدوة، وإبراز الأعمال التي تتم بعيداً عن الأضواء.

ويؤكد أن المقال التحليلي يكتسب قيمته عندما يتجاوز إعادة إنتاج الخبر إلى تفسير ما وراءه، ووضع الحدث في سياقه السياسي والاستراتيجي.

كتب وأعمال علمية تنتظر النشر

يكشف الغامدي عن امتلاكه عدداً من الكتب والأعمال العلمية الجاهزة للنشر، من بينها كتاب يتناول الجماعات المسلحة، وينتظر إجراءات الفسح، إلى جانب أعمال أخرى تتناول المشهد الإقليمي وتحولات الأمن وديناميات الصراع.

ويأمل أن تسهم هذه الأعمال في تعزيز الوعي الاستراتيجي وتقديم محتوى علمي يفيد الباحثين والمهتمين بالشأن الإقليمي.

المشهد الإقليمي.. نفوذ يتجاوز القوة الصلبة

في قراءته للمشهد الإقليمي، يرى الغامدي أن المنطقة تشهد إعادة تشكيل واسعة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الأمن السيبراني والطاقة وسلاسل الإمداد والممرات البحرية.

ويعتقد أن النفوذ لم يعد قائماً على القوة الصلبة وحدها، وإنما أصبح مرتبطاً كذلك بالشبكات والتحالفات والقدرة الاقتصادية والمرونة الدبلوماسية.

وفي هذا السياق، يرى أن أمن البحر الأحمر والخليج واليمن ومناطق أخرى من الإقليم أصبحت ملفات متداخلة، تحتاج إلى قراءة شاملة لا تكتفي بالنظر إلى كل أزمة باعتبارها ملفاً منفصلاً.

المملكة ودورها في الملفات الإقليمية

يتحدث الغامدي عن الدور السعودي في إدارة الملفات الإقليمية من زاوية تجمع بين الحضور الدبلوماسي وبناء الشراكات والتعامل مع الملفات الحساسة بما يخدم المصالح الوطنية والاستقرار الإقليمي.

ويرى أن أمن الممرات البحرية والطاقة والتنمية والتحولات السياسية أصبحت ملفات مترابطة في حسابات الأمن الوطني والإقليمي.

الأمن في البحر الأحمر

يعتبر الغامدي البحر الأحمر أحد أبرز مسارح التنافس الإقليمي والدولي، نظراً لارتباطه بالتجارة العالمية والطاقة ومضيق باب المندب وسلاسل الإمداد.

ويرى أن أمن البحر الأحمر يحتاج إلى تعاون بين الدول المطلة عليه، وإلى تكامل الجهود في مجالات الردع البحري والتنسيق الاستخباري وحماية البنى التحتية وإدارة الأزمات.

كما يؤكد أن استقرار اليمن يمثل عنصراً مهماً في أمن البحر الأحمر، نظراً للارتباط الجغرافي والاستراتيجي بين الملفين.

المرأة في العمل العسكري.. كفاءة وطنية متنامية

يشير الغامدي إلى أن مشاركة المرأة السعودية في المجالات العسكرية والأمنية أصبحت امتداداً للتطور الذي تشهده المملكة، مؤكداً أهمية الكفاءة والقدرة على التعلم والعمل الجماعي والالتزام بمعايير المؤسسة.

ويلفت إلى حضور المرأة في مجالات متعددة، من بينها الأمن السيبراني والخدمات الطبية والتفتيش ومجالات أمنية وفنية مختلفة، معتبراً أن هذه المشاركة تمثل إضافة إلى القدرات الوطنية.

الأم.. والأخ الأكبر.. وأثر القدوة

وعندما ينتقل الحوار إلى الأشخاص الذين يدين لهم بالفضل، يبدأ الغامدي بوالدته، رحمها الله، التي يصفها بأنها كانت مصدر قوته الأولى، ثم يتحدث عن أخيه الأكبر الدكتور عبدالله، الذي كان له حضور مؤثر في محطات مهمة من حياته.

كما يستذكر عدداً من المعلمين والقادة الذين أسهموا في تشكيل تجربته العلمية والمهنية.

وفي حياته اليومية، يقول إنه يستشير أخاه الأكبر، كما يستأنس برأي ابنته الصغرى، إلى جانب عدد من القادة والأصدقاء الذين يثق بخبرتهم وحكمتهم.

الحكمة بين الأجيال

يرى الغامدي أن الأبناء يحتاجون إلى المشورة عندما تقدم لهم في إطار من الثقة والاحترام، وأن الفجوة بين الأجيال لا تقاس بالعمر، وإنما بمسافة القلوب وقدرة كل جيل على فهم الآخر.

ويعرّف الحكمة بأنها القدرة على اتخاذ القرار بوعي واتزان، ومعرفة ما يستحق المواجهة وما يستحق التجاوز.

أما العلاقة بين حكمة الشيوخ وهمة الشباب، فيضعها عند نقطة التلاقي، مؤكداً أن الشباب يمثلون طاقة البداية، بينما تمثل الخبرة ثمرة التجربة.

القدوة.. أثر يتجاوز المناصب

يرى الغامدي أن القدوة أصبحت أكثر أهمية في زمن تتعدد فيه الأصوات وتتنافس فيه الصور، مشيراً إلى أن صناعة النماذج التي يُحتذى بها مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات والمجتمع.

ويعتبر أن الإنسان النبيل هو من يمتلك القدرة على ضبط نفسه والعفو حين يكون العفو صعباً، وأن القوة الحقيقية لا تنفصل عن الاتزان.

ماذا يريد أن يبقى من تجربته؟

لا يريد الغامدي أن يُقرأ فقط باعتباره عسكرياً أو باحثاً استراتيجياً، بل يأمل أن تُقرأ تجربته باعتبارها محاولة للجمع بين الخدمة والفكر، وبين الميدان والمبدأ، وبين التجربة والتحليل.

ويقول إن ما يريده في النهاية هو أن تتحول التجربة إلى وعي نافع، يساعد الأجيال القادمة على الفهم والانضباط وصناعة القرار.

الإنسان.. بين الربح والخسارة والأثر

في نظرته للحياة، لا يرى الربح والخسارة مجرد نتائج نهائية، بل يعتبرهما جزءاً من صناعة الوعي.

ويؤكد أن الخسارة قد تعلم الإنسان الصبر والثبات، بينما يمنحه النجاح بعد التجربة ثقة مختلفة، وأن القرار الحكيم هو الذي يوازن بين النتيجة والقدرة على تحمل تبعاتها.

أما النجاح، فيراه مساراً لا محطة نهائية، والتطلعات لا تتوقف ما دام الإنسان قادراً على التعلم والتطور.

متى يُنصف الإنسان؟

يرى الغامدي أن الإنصاف الحقيقي يأتي عندما تهدأ ضوضاء الحياة، ويصبح الناس أكثر قدرة على رؤية أثر الإنسان لا مجرد حضوره.

فالقيمة، في نظره، لا يصنعها المدح، وإنما الأثر الذي يبقى شاهداً على أن حضور الإنسان لم يكن عابراً.

التغافل.. حين يكون التجاهل قراراً

ومن أكثر الأفكار التي يتوقف عندها الغامدي مفهوم التغافل، إذ يراه أحياناً إدارة للوقت والانتباه والجهد، وليس ضعفاً.

ويقول إن الإنسان قد يختار عدم الدخول في بعض المواجهات عندما تكون كلفة الانشغال بها أكبر من قيمتها، مؤكداً أن الاستراتيجية لا تعني خوض كل المعارك، وإنما معرفة أيها يستحق المواجهة.

الرسالة التي يريد أن تبقى

يختصر الغامدي رسالته للأجيال القادمة في أن الإنسان يُبنى بالتربية، وينضج بالتجربة، ويحفظ أثره بالصدق والإخلاص.

ويؤكد أن الخدمة والعلم والمسؤولية ليست مسارات منفصلة، وإنما خيط واحد يبدأ بالتربية، ويقوى بالتجربة، ويستمر بالأمانة في كل موقع يُمنح للإنسان.

كلمة أخيرة

في ختام اللقاء، يستحضر الغامدي دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}، معرباً عن أمله في أن يظل وطنه آمناً مطمئناً، وأن تتواصل مسيرته نحو المنعة والازدهار.

كما يوجه الشكر إلى صحيفة مكة الإلكترونية على إتاحة مساحة لهذا الحوار، مؤكداً أهمية الإعلام المسؤول في تعزيز الوعي وإبراز القيم التي تنهض بها الأوطان.

«زاجل الإخباري».. تقدير لتجربة تستحق التوقف

وفي «زاجل الإخباري»، نرى أن بعض السير لا تختصرها المناصب، ولا تُقاس بعدد المواقع التي شغلها صاحبها، وإنما بما تحمله من تجارب ودروس وأثر.

وتجربة اللواء الركن الدكتور خالد بن سفر شويل الغامدي تنتمي إلى هذا النوع من السير التي تجمع بين الميدان والعلم، والمسؤولية والفكر، والخبرة والوعي؛ وهي جوانب تجعل استحضارها أمام الأجيال الجديدة أكثر من مجرد استعراض لمسيرة عسكرية، بل قراءة في معنى الالتزام، وقيمة التجربة، وما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه بعد مغادرة مواقع المسؤولية.

ومن هنا يأتي هذا اللقاء في «زاجل الإخباري» بوصفه مساحة لتقديم نموذج من نماذج أصحاب التجارب الذين جعلوا من سنوات الخدمة والعمل والدراسة رصيداً معرفياً وإنسانياً، يستحق أن يُروى وأن تتوقف عنده الأجيال.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *