الصين تعيد تنظيم التعليم الخاص.. قيود على المدارس الربحية في التعليم الإلزامي وتشديد على الدروس الخصوصية

كتب دكتور/شريف الجندي

اتجهت الصين خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة تنظيم قطاع التعليم الخاص، وخاصة في مراحل التعليم الإلزامي التي تمتد لنحو تسع سنوات وتشمل مرحلتي التعليم الابتدائي والإعدادي، وذلك في إطار سياسة تستهدف الحد من الضغوط الدراسية والمالية التي تتحملها الأسر نتيجة انتشار الدروس الخصوصية والتعليم الإضافي.

وبموجب الإجراءات التي اتخذتها السلطات الصينية، فُرضت قيود واسعة على إنشاء وتشغيل المؤسسات الخاصة الهادفة إلى تحقيق الأرباح في مجال التعليم الإلزامي، مع السماح باستمرار المدارس والمؤسسات غير الربحية وفق القواعد والاشتراطات التي تحددها الدولة.

ولا تعني هذه الإجراءات إلغاء التعليم الخاص في الصين بصورة كاملة، إذ لا تزال المؤسسات التعليمية الخاصة موجودة وتعمل في مجالات ومراحل تعليمية مختلفة، كما يستمر النشاط التجاري في القطاعات التعليمية التي تقع خارج نطاق التعليم الإلزامي، وفقًا للضوابط المنظمة لكل مجال.

«التخفيض المزدوج».. محاولة لتخفيف أعباء التعليم

وفي عام 2021، أطلقت السلطات الصينية سياسة عُرفت باسم «التخفيض المزدوج»، واستهدفت بصورة رئيسية تقليل حجم الواجبات الدراسية المفروضة على الطلاب، والحد من انتشار الدروس الخصوصية التجارية في المواد الأكاديمية الأساسية.

وجاءت السياسة في ظل تنامي سوق التعليم الإضافي، وما صاحبه من إنفاق متزايد من جانب الأسر، إلى جانب الضغوط التي ارتبطت بالمنافسة التعليمية والاعتماد على الدروس خارج المدرسة.

وشملت الإجراءات قيودًا على المؤسسات التي تقدم خدمات تدريبية في المواد الأساسية لطلاب التعليم الإلزامي، خصوصًا فيما يتعلق بتحقيق الأرباح وتنظيم أوقات وأنماط تقديم هذه الخدمات.

هل ألغت الصين التعليم الخاص؟

رغم اتساع نطاق القيود، فإن الحديث عن إلغاء التعليم الخاص في الصين بصورة كاملة لا يعكس طبيعة السياسة التي اتبعتها السلطات.

فالهدف الأساسي تمثل في إعادة ضبط قطاع التعليم الإلزامي، وتقليص الطابع التجاري لبعض الخدمات التعليمية، وليس إنهاء مشاركة القطاع الخاص في التعليم بجميع صوره.

ولا تزال هناك مدارس ومؤسسات تعليمية خاصة تعمل داخل الصين، إلا أن طبيعة نشاطها تخضع بدرجة كبيرة للأنظمة والاشتراطات التي تضعها السلطات، وتختلف القواعد بحسب المرحلة التعليمية ونوع المؤسسة والخدمة المقدمة.

بين تخفيف الأعباء وتقليص الخيارات

وأثارت هذه السياسة نقاشًا واسعًا حول تأثيرها على الطلاب والأسر وعلى مستقبل التعليم الخاص.

فمن جهة، تستهدف الإجراءات تقليل الإنفاق على الدروس الخصوصية، وتخفيف الضغوط الدراسية والمنافسة الشديدة التي قد تدفع الأسر إلى إنفاق مبالغ كبيرة على التعليم الإضافي.

ومن جهة أخرى، فإن تقليص النشاط التجاري في بعض مجالات التعليم قد يؤدي إلى انخفاض عدد الخيارات المتاحة أمام الأسر، ويغير طبيعة سوق الخدمات التعليمية الخاصة، وهو ما يجعل تقييم نتائج السياسة مرتبطًا بكيفية تطبيقها وتأثيرها الفعلي على جودة التعليم وتكافؤ الفرص.

كما شهدت السنوات التالية تغيرات في تطبيق بعض القيود، مع ظهور أشكال جديدة ومنظمة من خدمات التعليم الإضافي، ما يعكس استمرار محاولات السلطات لتحقيق توازن بين ضبط السوق والحفاظ على احتياجات الطلاب والأسر.

إعادة تعريف دور التعليم الخاص

وتكشف التجربة الصينية عن توجه واضح نحو اعتبار التعليم الإلزامي مجالًا لا ينبغي أن يخضع بالكامل لمنطق السوق والربحية، مع الإبقاء على مساحة للقطاع الخاص في المجالات التي تسمح بها القوانين.

وبذلك، فإن التجربة لا يمكن اختزالها في عبارة «الصين تحظر المدارس الخاصة»، وإنما الأدق أنها أعادت رسم حدود النشاط الربحي داخل التعليم الإلزامي، وفرضت رقابة أشد على سوق الدروس الخصوصية والخدمات التعليمية المرتبطة به.

وتبقى النتيجة النهائية لهذه السياسة مرتبطة بعدة عوامل، من بينها قدرة المدارس الحكومية على استيعاب الطلب، ومستوى جودة التعليم، وتكافؤ الفرص بين الطلاب، ومدى نجاح الإجراءات في تخفيف الأعباء عن الأسر دون التأثير سلبًا في الخيارات التعليمية المتاحة أمامها.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *