الدعم الإيراني لسد النهضة يفتح باب التساؤلات حول حسابات الإقليم.. بين المصالح الإثيوبية والقلق المصري من تداعيات الأمن المائي

 كتب: اللواء مهندس/ سيد نوار

إعداد: خالد نوار

تتداخل في منطقة القرن الإفريقي والشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة حسابات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، ويأتي ملف سد النهضة الإثيوبي في مقدمة القضايا التي تثير اهتمامًا إقليميًا واسعًا، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بمصالح دول حوض النيل، وفي مقدمتها مصر والسودان وإثيوبيا.

وفي هذا السياق، يبرز الموقف الإيراني من سد النهضة باعتباره أحد الملفات التي تستحق القراءة في إطار التحولات المتسارعة في علاقات القوى الإقليمية والدولية.

فقد سبق أن أعلن السفير الإيراني لدى إثيوبيا، ساماد علي لاكيزاده، دعم بلاده لمشروعات التنمية الإثيوبية، ومن بينها مشروع سد النهضة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية الحوار والتعاون بين إثيوبيا ودولتي المصب، مصر والسودان، بما يجعل المشروع عاملًا للتنمية الإقليمية وليس مصدرًا للصراع.

ومن هنا، يطرح الموقف الإيراني تساؤلات حول طبيعة المصالح التي تحكم علاقات طهران بأديس أبابا، ومدى ارتباطها بالتنافس الإقليمي الأوسع في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

سد النهضة بين التنمية الإثيوبية والهواجس المصرية

تنظر إثيوبيا إلى سد النهضة باعتباره مشروعًا استراتيجيًا لتوليد الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية، بينما ترى مصر أن طريقة تشغيل السد وإدارته ترتبط بصورة مباشرة بأمنها المائي ومصالحها الحيوية.

وقد أكدت القاهرة في مواقف رسمية متكررة رفضها لأي إجراءات أحادية تتعلق بالنيل أو بالسد، مشددة على ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي وعدم إلحاق الضرر بدولتي المصب. وفي يوليو 2025، أعلنت مصر رفضها للإجراءات الإثيوبية الأحادية المتعلقة بالسد، واعتبرتها مخالفة لقواعد القانون الدولي الخاصة بالاستخدام المنصف والمعقول للمجاري المائية العابرة للحدود.

وفي المقابل، تؤكد أديس أبابا أن مشروع سد النهضة يمثل حقًا تنمويًا لإثيوبيا، وتدفع باتجاه مفهوم الاستخدام المنصف والمعقول لمياه النيل، مع تأكيدها أن المشروع يستهدف إنتاج الكهرباء ودعم التنمية في البلاد والمنطقة.

وبين الموقفين، ظل ملف السد طوال السنوات الماضية أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المصرية الإثيوبية، خصوصًا في ظل عدم التوصل إلى ترتيبات نهائية تحظى بتوافق الأطراف بشأن قواعد التشغيل وإدارة فترات الجفاف الممتد.

الموقف الإيراني.. مصالح تتجاوز ملف السد؟

يمكن قراءة الدعم الإيراني للمشروعات الإثيوبية في إطار رغبة طهران في توسيع علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول القارة الإفريقية، ولا سيما في المناطق التي تشهد تنافسًا دوليًا وإقليميًا متزايدًا.

ولا يعني هذا الموقف، في حد ذاته، وجود دليل معلن على تنسيق إيراني أمريكي أو غربي يستهدف مصر، كما لا توجد في المصادر المتاحة أدلة موثوقة تثبت أن دعم إيران لسد النهضة يمثل جزءًا من خطة استخباراتية مشتركة ضد الأمن القومي المصري.

لكن تزامن التحركات الإقليمية وتعدد القوى المنخرطة في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي يجعل من الضروري بالنسبة إلى القاهرة متابعة هذه التحولات بدقة، خصوصًا أن أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي أصبحا جزءًا أساسيًا من معادلات الأمن الإقليمي.

مصر أمام معادلة إقليمية متغيرة

لا ينحصر ملف سد النهضة في البعد المائي وحده، بل أصبح مرتبطًا بصورة أوسع بالتوازنات السياسية والاقتصادية في شرق إفريقيا والبحر الأحمر.

وتتعامل القاهرة مع القضية باعتبارها ملفًا يرتبط بالأمن المائي والمصالح الوطنية، بينما تسعى إثيوبيا إلى توظيف السد ضمن رؤيتها للتنمية وإنتاج الطاقة وتعزيز دورها الإقليمي.

وفي هذا السياق، تظل المفاوضات والحوار والآليات القانونية والدبلوماسية من أبرز الأدوات المطروحة للوصول إلى ترتيبات تحقق مصالح دول حوض النيل وتحد من مخاطر التصعيد.

ثلاثة مسارات محتملة

يمكن النظر إلى المرحلة المقبلة من خلال ثلاثة مسارات رئيسية:

أولًا: المسار الدبلوماسي والقانوني

وهو استمرار التحرك المصري على المستويين الإقليمي والدولي، مع الدفع نحو قواعد واضحة وملزمة لإدارة وتشغيل السد، بما يحفظ مصالح دول المصب ويمنع الإضرار بها.

ثانيًا: توسيع شبكة الشراكات الإقليمية والدولية

من خلال تعزيز العلاقات المصرية مع الدول العربية والإفريقية والقوى الدولية، والاستفادة من العلاقات الاقتصادية والسياسية في دعم الاستقرار في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

ثالثًا: إدارة الملف وفق رؤية شاملة للأمن القومي

بحيث لا يُنظر إلى سد النهضة باعتباره قضية منفصلة، وإنما ضمن منظومة أوسع تشمل أمن المياه والطاقة والتجارة والبحر الأحمر والعلاقات المصرية الإفريقية.

خلاصة

يبقى سد النهضة واحدًا من أكثر الملفات حساسية في الإقليم، وتزداد أهميته مع دخول قوى إقليمية ودولية متعددة على خط العلاقات مع إثيوبيا.

أما الموقف الإيراني الداعم للمشروع، فهو موقف معلن يستحق المتابعة والتحليل، لكنه لا يكفي بمفرده لإثبات وجود تحالف سري أو مخطط استخباراتي يستهدف مصر.

وفي المقابل، فإن الحفاظ على الأمن المائي المصري يظل قضية وطنية أساسية، تتطلب مزيجًا من التحرك الدبلوماسي والقانوني وبناء الشراكات الإقليمية والدولية، مع استمرار متابعة التحولات في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

ويبقى الرهان الأهم هو الوصول إلى ترتيبات عادلة ومستقرة تضمن حق إثيوبيا في التنمية، وتحمي في الوقت نفسه مصالح مصر والسودان وحقوقهما المائية، بما يجنّب المنطقة مخاطر التصعيد ويفتح الباب أمام تعاون إقليمي أكثر استقرارًا.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *