شيخ العرب همام.. «أمير الصعيد» الذي جمع 26 قبيلة وامتلك 242 ألف فدان وانتهى حكمه بالخيانة

كتب دكتور/ شريف الجندي 

من زعامة قبائل الهوارة إلى نفوذ امتد من المنيا حتى أسوان.. قصة رجل صنع لنفسه كيانًا قويًا في قلب الصعيد قبل أن تهدم الخيانة ما بناه

في صفحات التاريخ المصري، تبرز شخصيات استطاعت أن تترك بصمتها رغم مرور مئات السنين، ومن بين هذه الشخصيات يأتي شيخ العرب همام بن يوسف الهواري، أحد أبرز زعماء الصعيد في القرن الثامن عشر، والذي تحول من شيخ لقبائل الهوارة إلى قوة سياسية وعسكرية فرضت نفوذها على مساحات واسعة من جنوب مصر.

وُلد همام بن يوسف الهواري عام 1709 في فرشوط بمحافظة قنا، ونشأ في بيت زعامة، إذ ورث عن والده الشيخ يوسف مكانته بين قبائل الهوارة. غير أن طموح همام تجاوز حدود الزعامة القبلية، ليصبح واحدًا من أكثر الشخصيات نفوذًا في صعيد مصر خلال تلك الفترة.

من فرشوط إلى نفوذ امتد عبر الصعيد

استطاع همام أن يوسع دائرة نفوذه حتى امتدت، وفق الروايات التاريخية، من المنيا شمالًا إلى أسوان جنوبًا، حتى أصبح يُعرف بلقبي «أمير الصعيد» و«ملك الصعيد».

ولم يعتمد نفوذه على القوة القبلية وحدها، بل سعى إلى إنشاء منظومة لإدارة الأراضي والضرائب، كما كوّن قوة عسكرية ضمت رجالًا من الهوارة والعرب، إلى جانب عناصر من المماليك الذين فروا من صراعات السلطة.

واتخذ همام من فرشوط مركزًا لنفوذه، وأنشأ بها عددًا من المنشآت، من بينها مسجد كبير، ارتبط اسمه بذكراه ولا يزال قائمًا حتى اليوم.

وتشير الروايات إلى اتساع ثروته الزراعية بصورة كبيرة، حتى قُدرت الأراضي التي كانت تحت نفوذه بنحو 242 ألف فدان، بينما تولى إدارة جانب من أعماله المالية والإدارية عدد من كبار الأقباط الذين عُرفوا في ذلك العصر باسم «المعلمين».

وثيقة جمعت 26 قبيلة

ومن أبرز ما ارتبط باسم شيخ العرب همام وثيقة تحالف تعود إلى عام 1159هـ، جمعت، وفق الروايات، 26 قبيلة من قبائل الصعيد في تحالف واحد.

وتكشف الوثيقة عن رغبة واضحة في توحيد الصفوف، إذ تضمنت اتفاقًا على أن يكون المتحالفون «على حالة واحدة وعلى يد واحدة وقلب رجل واحد»، وأن يقف الجميع إلى جانب أي طرف يتعرض لاعتداء أو ظلم.

وتقدم هذه الوثيقة صورة عن طبيعة التحالفات التي نشأت في الصعيد خلال تلك المرحلة، في ظل الصراع على النفوذ بين القوى المحلية والمماليك والسلطة العثمانية.

علي بك الكبير.. من التحالف إلى المواجهة

في مرحلة من حياته، ارتبط همام بعلاقات ومصالح مشتركة مع علي بك الكبير، الذي كان يسعى بدوره إلى توسيع نفوذه والخروج من هيمنة السلطة العثمانية.

لكن اتساع نفوذ همام في الصعيد جعله قوة مستقلة يصعب تجاهلها، وهو ما أدى في النهاية إلى تحول العلاقة إلى مواجهة.

وفي عام 1769، تحركت قوات المماليك لمواجهة نفوذ شيخ العرب همام، لتبدأ واحدة من أكثر مراحل حياته اضطرابًا.

الخيانة التي غيّرت مسار المعركة

لم تكن المواجهة مجرد صدام عسكري، إذ شهدت الأحداث واقعة خيانة كان لها تأثير كبير في سقوط قوة همام.

فبحسب الروايات المتداولة، تمكن المماليك من استمالة إسماعيل بن عبد الله، الذي كان من المقربين من همام وقائدًا في جيشه، وعرضوا عليه زعامة الهوارة.

وكان لانضمامه إلى صف خصوم همام أثر بالغ في تماسك قواته، لتنتهي المواجهة بهزيمة جيشه، ثم دخول المماليك إلى فرشوط، التي تعرضت للدمار والخراب.

وهكذا، لم يسقط نفوذ همام نتيجة مواجهة عسكرية فقط، وإنما جاءت الخيانة من داخل دائرة المقربين منه لتزيد من انهيار مشروعه السياسي والعسكري.

الانسحاب الأخير.. والموت يسبق حلم العودة

بعد تراجع قواته، اتجه شيخ العرب همام جنوبًا إلى قُمولا، في محاولة لإعادة تنظيم صفوفه وبناء قوة جديدة تمكنه من استعادة نفوذه.

لكن محاولته لم تكتمل؛ إذ توفي عام 1769 عن عمر يناهز الستين عامًا، لتنتهي بذلك صفحة واحدة من أكثر صفحات تاريخ الصعيد إثارة للجدل.

أما مكان دفنه، فقد تعددت بشأنه الروايات؛ فهناك من ذكر أن قبره في فرشوط، بينما تشير روايات أخرى إلى إسنا، في حين ترجح روايات ثالثة دفنه في قُمولا بنقادة.

لماذا بقي اسم شيخ العرب همام حاضرًا حتى اليوم؟

لم يكن همام في نظر كثير من المؤرخين مجرد شيخ قبيلة يمتلك نفوذًا واسعًا، بل ارتبط اسمه بمحاولة تشكيل كيان محلي قوي في صعيد مصر، في فترة كانت فيها البلاد تعاني من صراعات متواصلة على السلطة والنفوذ.

وقد وصفه بعض المؤرخين بأنه واحد من آخر زعماء الصعيد الذين تمكنوا من بناء نفوذ شبه مستقل عن السلطة المركزية، بينما بقيت قصته مرتبطة في الذاكرة الشعبية بالصراع مع المماليك وبالتحالف القبلي والخيانة التي أنهت مشروعه.

ورغم مرور أكثر من قرنين ونصف على وفاته، ما زال اسم شيخ العرب همام حاضرًا في الذاكرة الصعيدية، باعتباره رمزًا للزعامة والقوة والنفوذ، وظلت سيرته تنتقل من جيل إلى آخر بين أبناء الصعيد.

قصة شيخ العرب همام تفتح بابًا واسعًا أمام سؤال تاريخي مهم: هل كان همام مجرد زعيم قبلي سعى إلى توسيع نفوذه، أم أن مشروعه كان يحمل ملامح كيان سياسي مستقل في صعيد مصر؟

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *