كيف تركنا مقاعد التلاميذ في فصل القرآن. بقلم/ اسلام عبدالعزيز فرحات

كتب / اسلام عبدالعزيز فرحات

(فصل كامل من كتابنا “هكذا يبنيك القرآن” عن الحجب التي حالت بيننا وبين تدبر كتاب ربنا جل وعلا.. أنشره هنا تباعا عل الله ينفع به ويكتب لنا ثوابه)

تمهيد

“لبيك… قد عدت”، همس بها في نفسه وهو يطوي الصفحة الأخيرة من الفصل السابق، ثم قام إلى مصحفه بقلب امتلأ شوقا، وجلس كما يجلس التلميذ الذي طال غيابه عن معلمه الأول، ثم عاد أخيرا إلى مجلسه.

فتح المصحف، واستقبل كلماته بلهفة العائد بعد طول فراق، قرأ آيات الإيمان ثم مضى، وقرأ آيات النفاق ثم مضى، ووقف مع فرعون وهو يغرق، ومع قارون وهو يخسف به، ومع إخوة يوسف وهم ينسجون كذبتهم الأولى، ثم مر بصفات المؤمنين ووعد المتقين، ومشاهد القيامة وأخبار الأنبياء…

حتى إذا فرغ أغلق المصحف ونهض… لقد فعل كل ما يفعله قارئ صالح إلا شيئا واحدا، لم يسأل نفسه مرة أين أنا من كل هذا؟ قرأ عن المتكبرين فبحث عنهم في وجوه الناس، وقرأ عن المنافقين فتذكر أسماء يعرفها وقرأ عن الظالمين فاستحضر أخبارهم، وقرأ عن المؤمنين فأخذ يقارنهم بمن حوله.

أما نفسه فقد ظلت بعيدة عن كل هذه الآيات، كأن القرآن كان يطوف بالعالم كله ثم يتجاوز قلبه دون أن يقف عنده، فكانت النتيجة أنه خرج من مجلس القرآن وهو يحمل صور الجميع إلا صورته.

لقد عرفنا في الفصل الأول أن شيئا ما قد اختل في علاقتنا بكتاب الله، ثم رأينا في الفصل الثاني كيف كان الجيل الأول يقف بين يدي القرآن، حتى صار الوحي قائدا لحياته، لا مجرد كتاب يتبرك به أو يُستشهد به، وكان من الطبيعي أن نظن أن الطريق قد أصبح واضحا وأن العودة قد بدأت بالفعل، لكن العودة إلى الباب ليست دائما دخولا إلى الدار.

فما الذي حدث؟… كيف يستطيع الإنسان أن يقرأ القرآن عشرات السنين، ثم يعجز عن أن يرى نفسه في آياته؟ كيف يتحول كتاب أنزله الله ليكون بصائر للناس إلى مرآة يرى فيها القارئ الناس جميعا إلا نفسه؟ وكيف يصبح الخطاب الذي بدأ بنداء الإنسان إلى نفسه، منطلقا للحكم على الآخرين أكثر من محاسبة الذات؟

لقد شغلت هذه الحقيقة علماء التربية الإيمانية منذ القرون الأولى، فكان الحارث المحاسبي يرى أن أخطر أنواع الغفلة ليست غفلة الجوارح، وإنما غفلة القلب عن رؤية نفسه وهو يتلقى خطاب الله، وكان أبو عبد الرحمن السلمي يوصي تلاميذه أن تكون أول وظيفة للآية أن تفتش في صاحبها قبل أن تفتش في غيره، ثم جاء ابن القيم فكرر المعنى نفسه بصياغة أخرى حين جعل القرآن منزل القلوب لا كتاب المعلومات، وجعل أعظم الانتفاع به أن يشعر العبد أن كل خطاب فيه إنما يتوجه إليه أولا… وبعد قرون سيعيد فريد الأنصاري اكتشاف هذه الحقيقة وهو يتحدث عن أن أكبر مصيبة في علاقتنا بالقرآن ليست هجر التلاوة بل هجر التلقي.

ولعلهم جميعا كانوا يشيرون إلى حقيقة واحدة، وإن اختلفت عباراتهم، وهي أن بين القلب وبين القرآن حجبا خفية، لا تمنع العين من رؤية الكلمات لكنها تمنع الروح من استقبال رسالتها… حجب لا تحول بين الإنسان وبين ختم المصحف مرات كثيرة، لكنها تحول بينه وبين أن يخرج من ختمة واحدة بقلب جديد! وهي من فرط ملازمتها لنا أصبحت تبدو كأنها جزء طبيعي من طريقة قراءة القرآن حتى فقدنا القدرة على ملاحظتها أصلا.

ولذلك فلن يحاول هذا الفصل إزالة تلك الحجب؛ فذلك حديث سيأتي حين نتحدث عن عهود الصحبة مع القرآن، أما مهمته هنا فأسبق من العلاج وأشد ضرورة منه، إنه يحاول تسليط الضوء على هذه الحجب ومنحها أسماءها ودلالة القارئ على مواضعها في نفسه، فالقلب لا يستطيع أن يتحرر من حجاب لا يعلم أصلا أنه يحجبه.

وأعدك ألا تكون الصفحات القادمة مراجعة لتاريخ الأمة ولا محاكمة لمدرسة من مدارسها ولا اتهاما لأشخاص أو جماعات… إنها رحلة أكثر هدوءا لكنها ربما تكون أكثر إيلاما؛ لأننا لن نفتش فيها عن أخطاء الآخرين بل عن تلك الطبقات الرقيقة التي تراكمت فوق قلوبنا حتى حالت بيننا وبين أن نقف أمام القرآن مجردين كما وقف أصحابه الأوائل، نسمح له مرة أخرى أن يعرفنا بأنفسنا فلعل المشكلة لم تكن يوما أن القرآن ابتعد عنا… بل أن الحجب كثرت بيننا وبينه حتى صرنا كلما فتحنا مصاحفنا رأينا في آياتها العالم كله… إلا أنفسنا.

“يتبع إن شاء الله “

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *