عابد كرمان.. العميل الذي اخترق دوائر الحكم في إسرائيل ووصلت أسراره إلى المخابرات المصرية

كتب دكتور/ شريف الجندي 

من حيفا إلى تل أبيب وباريس.. حكاية جاسوس ارتبط اسمه بموشيه ديان وملف التحصينات الإسرائيلية على جبهة سيناء

في عالم الاستخبارات، لا تُقاس خطورة العملاء بعدد العمليات التي ينفذونها فحسب، بل بقدرتهم على الوصول إلى المعلومات التي يصعب اختراقها، وبناء علاقات تمنحهم نفوذًا داخل دوائر صنع القرار، ثم نقل ما يحصلون عليه إلى الجهة التي يعملون لصالحها دون أن يثيروا الشبهات. ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه الصورة في الروايات المتداولة عن الصراع الاستخباراتي العربي الإسرائيلي، يبرز اسم عابد كرمان، الذي ذاع صيته عربيًا من خلال المسلسل التلفزيوني الذي حمل الاسم نفسه، واستلهم قصته من عالم الجاسوسية والصراع بين المخابرات المصرية وجهاز الموساد الإسرائيلي.

وتنسب الرواية المتداولة إلى عابد كرمان نجاحه في بناء شبكة علاقات واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي، والوصول إلى شخصيات سياسية وأمنية بارزة، من بينها موشيه ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، فضلًا عن معلومات عسكرية قيل إنها تعلقت بالتحصينات الإسرائيلية في سيناء وخط بارليف، الذي مثّل أحد أبرز عناصر الاستعدادات الدفاعية الإسرائيلية على امتداد قناة السويس قبل حرب أكتوبر 1973.

لكن القصة، بما تتضمنه من تفاصيل مثيرة عن التجنيد والتضليل والاختراق، تستدعي التمييز بين الوقائع التاريخية الموثقة والتفاصيل التي أوردتها الروايات الصحفية والدرامية؛ فليس كل ما يظهر في الأعمال التلفزيونية أو يُتداول عن ملفات الاستخبارات يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة تاريخية ثابتة.

من هو عابد كرمان؟.. بداية الحكاية في فلسطين

وفقًا للرواية المتداولة، فإن عابد كرمان هو الاسم الذي عُرف به عبد الرحمن قرمان، وهو فلسطيني وُلد في حيفا عام 1938، ونشأ في بيئة اجتماعية ميسورة، إذ كانت أسرته تمتلك مزرعة للخضراوات والفاكهة.

وتشير الحكاية إلى أن سنوات شبابه تزامنت مع مرحلة شديدة الاضطراب في تاريخ فلسطين، في ظل تصاعد الصراع وقيام دولة إسرائيل عام 1948، وما صاحبه من تهجير واسع للفلسطينيين ونكبة تركت آثارًا عميقة في حياة الأسر الفلسطينية.

وتربط الرواية بين التجارب التي مر بها الشاب الفلسطيني، وما قيل عن تعرض أسرته لمأساة خلال تلك الفترة، وبين تشكل موقفه من إسرائيل، قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بإحدى أكثر الحكايات تداولًا عن العمل الاستخباراتي المصري داخل الأراضي الإسرائيلية.

وتضيف الرواية أن إقامته ودراسته في بيئة اختلط فيها الفلسطينيون بالإسرائيليين أتاحتا له معرفة المجتمع المحيط به، والتعامل مع أشخاص أصبح بعضهم لاحقًا من أصحاب النفوذ في المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية.

غير أن هذه التفاصيل الشخصية، بما فيها تاريخ الميلاد والظروف العائلية والدوافع التي قادته إلى العمل الاستخباراتي، تحتاج إلى إسناد مستقل من مصادر تاريخية موثوقة قبل الجزم بها جميعًا.

قصة الحب التي فتحت الطريق إلى أوروبا

تروي القصة أن محطة مهمة في حياة عبد الرحمن قرمان كانت تعرّفه على فتاة فرنسية تُدعى جاكلين مولييه، كانت تعمل في مكتب للخطوط الجوية الفرنسية في تل أبيب، وأن العلاقة بينهما تطورت حتى تزوجها لاحقًا.

وتقول الرواية إن اسم «عابد» ارتبط به خلال تلك العلاقة، قبل أن يصبح «عابد كرمان» الاسم الذي اشتهر به في الحكايات المتعلقة بعالم التجسس.

وبعد عودة جاكلين إلى فرنسا، تتحدث القصة عن سفره إليها، واتصاله بالسفارة المصرية في باريس، وهي الخطوة التي تُقدَّم في الرواية باعتبارها بداية انتقاله إلى مرحلة جديدة من حياته، قوامها العمل السري والتدريب على تنفيذ المهام الاستخباراتية.

وبحسب الرواية نفسها، خضع عابد لتدريبات على أيدي ضباط مصريين، وتلقى توجيهات تتعلق بكيفية بناء غطاء اجتماعي وتجاري يسمح له بالتحرك داخل إسرائيل، بعيدًا عن الأنظار، مع الحفاظ على صورة رجل الأعمال الذي يسعى إلى توسيع نشاطه وعلاقاته.

وتظل تفاصيل التجنيد وطبيعة التدريب والجهات التي أشرفت عليه من المسائل التي ينبغي توثيقها بمصادر تاريخية مستقلة، خصوصًا أن الملفات الاستخباراتية لا تكون جميعها متاحة للباحثين أو للجمهور.

النشاط التجاري.. واجهة لبناء العلاقات

تمنح الرواية النشاط التجاري دورًا محوريًا في قصة عابد كرمان، إذ تتحدث عن ارتباطه بأعمال ومشروعات تجارية، من بينها مصنع للحلاوة الطحينية، إلى جانب نشاط في الاستيراد والتصدير والمقاولات.

وتقول إن هذه الأنشطة لم تكن مجرد وسيلة لتحقيق الأرباح، بل ساعدته على توسيع دائرة معارفه، والتواصل مع شخصيات من قطاعات اقتصادية مختلفة، وصولًا إلى أشخاص يعملون في مجالات ترتبط بالمؤسسات الحكومية والعسكرية.

وفي عالم الاستخبارات، يمكن أن توفر العلاقات التجارية والاجتماعية غطاءً يسمح بالتواصل مع دوائر واسعة من المجتمع، لكن قيمة هذا الغطاء تتوقف على قدرة العميل على الفصل بين حياته العلنية ومهمته السرية، وعلى مدى نجاحه في تجنب لفت انتباه أجهزة الأمن المضادة.

وتصور الحكاية عابد باعتباره شخصًا استطاع الاستفادة من هذا النوع من العلاقات، حتى أصبح، وفقًا لما تنقله الروايات عنه، قادرًا على الاقتراب من شخصيات مؤثرة في المجتمع الإسرائيلي.

موشيه ديان.. العلاقة التي صنعت شهرة القصة

من أبرز محطات الحكاية ما يُنسب إلى عابد كرمان من نجاح في بناء علاقة مع موشيه ديان، أحد أشهر القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين، الذي شغل منصب وزير الدفاع خلال الفترة التي سبقت حرب أكتوبر 1973.

وتقول الرواية إن التعارف بدأ من خلال قصة قطعة أثرية قديمة عُثر عليها في محيط مزرعة عابد، وإن اهتمام ديان المعروف بالآثار ساعد على فتح باب التواصل بين الرجلين.

وتضيف أن هذه العلاقة تطورت إلى لقاءات واتصالات أتاحت لعابد الاقتراب من دوائر النخبة الإسرائيلية، وهو ما منح قصته مكانة بارزة في الكتابات التي تناولت الاختراق الاستخباراتي المصري.

وتنسب الرواية إليه كذلك علاقات مع شخصيات سياسية أخرى، فضلًا عن معارف في قطاعات أمنية واقتصادية، وتعتبر أن شبكة العلاقات تلك ساعدته على التحرك في بيئات يصعب على الغرباء الوصول إليها.

لكن من الضروري التأكيد أن الرواية المتداولة عن العلاقة الشخصية مع ديان، وتفاصيل استغلال الاهتمام بالآثار لبناء هذه العلاقة، لا ينبغي عرضها باعتبارها وقائع محسومة ما لم تسندها وثائق أو شهادات تاريخية موثوقة.

خط بارليف.. لماذا كانت المعلومات عن التحصينات مهمة؟

تصل القصة إلى أكثر محطاتها حساسية عند الحديث عن الوثائق العسكرية التي يُقال إن عابد كرمان ساعد في الحصول عليها، والمتعلقة بالتحصينات الإسرائيلية على الجبهة الجنوبية في سيناء.

وتذكر الرواية أن هذه المعلومات شملت رسومات وخرائط مرتبطة بالتحصينات الدفاعية على امتداد قناة السويس، إلى جانب بيانات عن مواقع ألغام ومنشآت عسكرية.

وتكتسب هذه الجزئية أهميتها من المكانة التي احتلها خط بارليف في التصور العسكري الإسرائيلي قبل حرب أكتوبر 1973؛ فقد كان الخط جزءًا من منظومة دفاعية أقامتها إسرائيل على الضفة الشرقية لقناة السويس بعد حرب يونيو 1967، بهدف تعزيز مواقعها وتأمين وجود قواتها في سيناء.

وكانت معرفة طبيعة التحصينات، ومواقع القوات، والعوائق الهندسية، ونقاط الضعف المحتملة، من العناصر المهمة في التخطيط لأي عملية عسكرية تستهدف عبور القناة.

وفي المقابل، فإن وصف خط بارليف بأنه حصن لا يمكن اختراقه لا يعكس الصورة العسكرية كاملة؛ فقد أظهرت حرب أكتوبر أن التحصينات الثابتة، مهما بلغت قوتها، لا تمنح ضمانًا مطلقًا للصمود أمام التخطيط الجيد، والتنسيق بين القوات، واستخدام الوسائل الهندسية المناسبة، واستغلال نقاط الضعف في منظومة الدفاع.

فقد نجحت القوات المسلحة المصرية في عبور قناة السويس يوم 6 أكتوبر 1973، واجتياز الساتر الترابي وفتح الثغرات اللازمة باستخدام مضخات المياه، ثم إقامة رؤوس كباري وعبور القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية. وأثبتت العملية أن النجاح العسكري يرتبط بتكامل المعلومات والاستعداد والتدريب والتنفيذ، وليس بالاعتماد على عنصر واحد فقط.

ومن هنا تأتي أهمية المعلومات الاستخباراتية في أي صراع عسكري؛ فهي تساعد على تكوين صورة أوضح عن قدرات الخصم ومواقعه، وتدعم عملية اتخاذ القرار، وإن كانت لا تغني عن الاستعداد القتالي والتنفيذ الميداني.

أما القول إن عابد كرمان سلّم المخابرات المصرية خرائط محددة لخط بارليف ومواقع الألغام، فيحتاج إلى توثيق مستقل يثبت طبيعة تلك الوثائق ومدى تأثيرها الفعلي في التخطيط العسكري المصري.

كيف يمكن للثقة الاجتماعية أن تتحول إلى نقطة ضعف أمنية؟

تطرح قصة عابد كرمان جانبًا آخر من جوانب العمل الاستخباراتي، يتمثل في العلاقة بين الثقة الشخصية والإجراءات الأمنية.

فبحسب الرواية، ساعدته علاقاته المتعددة على الاقتراب من شخصيات تملك معلومات لا تتاح عادة لعامة الناس، كما وفرت له الأعمال التجارية مبررات للتحرك والتواصل مع أشخاص من مجالات مختلفة.

وتشير القصة إلى أن نجاحه في توسيع دائرة علاقاته دفعه إلى محاولة استقطاب شخص فلسطيني آخر يُدعى خالد الزهر، وهو ما يُقدَّم باعتباره منعطفًا مهمًا في الأحداث.

وتقول الرواية إن محاولة الحصول على جوازات سفر بأسماء مستعارة أثارت الشبهات، وإن عابد أُلقي القبض عليه في مطار اللد في يناير 1970، قبل أن تبدأ مرحلة التحقيقات التي وضعت شبكة علاقاته تحت ضغط شديد.

غير أن تفاصيل هذه الواقعة، وأسباب القبض عليه، وما جرى خلال التحقيقات، ومدى صحة ما يُقال عن تدخل شخصيات إسرائيلية لصالحه، تحتاج بدورها إلى مراجعة وثائقية قبل اعتمادها في سرد تاريخي نهائي

وتكشف هذه الجزئية، على مستوى الدلالة العامة، عن إحدى المخاطر المعروفة في العمل السري: فكلما اتسعت شبكة العلاقات، زادت فرص الوصول إلى المعلومات، لكن زادت أيضًا احتمالات انكشاف النشاط إذا لم تُراعَ حدود السرية والانضباط.

النهاية.. بين الرواية الاستخباراتية والذاكرة الشعبية

تختتم الرواية المتداولة قصة عابد كرمان بالحديث عن مفاوضات لتبادل الأسرى بين مصر وإسرائيل، وتقول إنه عاد إلى القاهرة بعد القبض عليه، ضمن ترتيبات تبادل جرت في سياق الصراع بين البلدين.

وتصفه بعض الكتابات التي تناولت حكايته بأوصاف من قبيل «الجاسوس الطائر» و«الرجل الغامض»، في إشارة إلى ما تنسبه إليه من قدرة على التحرك بين أكثر من بيئة وبناء علاقات متشابكة.

لكن من المهم عدم الخلط بين الرواية الشعبية التي صنعتها المقالات والدراما التلفزيونية، وبين السجل التاريخي الذي يتطلب وثائق وشهادات مستقلة، لا سيما عند الحديث عن أسماء أشخاص، ووقائع تجنيد، وعمليات سرية، ومعلومات عسكرية ذات حساسية خاصة.

أما المسلسل التلفزيوني «عابد كرمان»، فقد أعاد تقديم هذه الحكاية إلى الجمهور العربي في قالب درامي، وأسهم في تحويل الاسم إلى جزء من الذاكرة الشعبية المرتبطة بقصص الجاسوسية والصراع الاستخباراتي بين مصر وإسرائيل.

الدرس الأهم من الحكاية

بعيدًا عن التفاصيل التي لا تزال بحاجة إلى التحقق، تظل قصة عابد كرمان مدخلًا لفهم جانب من جوانب الصراع الذي سبق حرب أكتوبر 1973، حيث لم تكن المواجهة مقتصرة على القوات والأسلحة والتحصينات، بل امتدت إلى جمع المعلومات، وتحليل قدرات الخصم، وفهم دوائر صنع القرار، ومحاولة اكتشاف نقاط القوة والضعف.

وفي الحروب الحديثة، تمثل المعلومات الدقيقة عنصرًا مهمًا في بناء القرار العسكري والسياسي، لكن قيمتها الحقيقية تتوقف على صحتها، وسياقها، وقدرة المؤسسات المعنية على تحليلها والاستفادة منها.

وتبقى البطولة الاستخباراتية، شأنها شأن أي واقعة تاريخية، جديرة بالتناول والتحليل، لكن الاحتفاء بها لا يتعارض مع ضرورة التوثيق؛ فالمصداقية الصحفية تقتضي أن نميز بين ما ثبت بالدليل، وما نقلته الروايات، وما أضافته المعالجة الدرامية.

عابد كرمان.. اسم ارتبط بحكاية مثيرة عن الاختراق الاستخباراتي، لكن فهم القصة على نحو صحيح يبدأ من الفصل بين ما تحكيه الروايات وما تثبته الوثائق.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *