كتب دكتور/ شريف الجندي
مبادرة مجتمعية تضع العلماء في قلب الحياة اليومية، وتدعو إلى إعادة الاعتبار للمعرفة والابتكار، وجعل أصحاب الإنجازات العلمية قدوة للأجيال الجديدة
في خطوة لافتة تحمل رسالة ثقافية وتعليمية مهمة، بدأت مدن صينية تخصيص مساحات بارزة على الشاشات الإعلانية العملاقة وواجهات مراكز التسوق ومحطات المترو لعرض صور العلماء ورواد الابتكار وإنجازاتهم، في مشهد مختلف عن الإعلانات التقليدية التي غالبًا ما تتصدرها العلامات التجارية وصور المشاهير ونجوم الترفيه.
وتعكس هذه المبادرة توجهًا نحو تسليط الضوء على أصحاب الإنجازات العلمية التي أسهمت في تقدم المجتمعات، وإعادة تقديم العلماء إلى الجمهور باعتبارهم نماذج ملهمة تستحق التقدير والاحتفاء، لما قدموه من جهود وأبحاث واكتشافات كان لها أثر ملموس في حياة البشر.
علماء في واجهة المدن الصينية
وتضم اللوحات صور عدد من أبرز الأسماء في تاريخ العلوم بالصين، من بينهم عالم الصواريخ والفضاء تشيان شيويه سن، الذي ارتبط اسمه بتطوير البرنامج الفضائي الصيني، والعالمة تو يويو، الحائزة على جائزة نوبل في الطب عام 2015 تقديرًا لاكتشافاتها المتعلقة بعلاج الملاريا، إلى جانب عالم الزراعة يوان لونغ بينغ، الذي اشتهر بأبحاثه الرائدة في تطوير الأرز الهجين والمساهمة في تعزيز الأمن الغذائي.
ولم تقتصر الفكرة على مدينة واحدة، إذ رصدت تقارير صحفية صينية انتشار هذه المبادرة في عدد من المدن، من بينها خفي وهانغتشو وتشنغتشو وتشونغتشينغ، مع ظهور صور العلماء على شاشات تجارية بارزة وفي بعض محطات المترو ومراكز التسوق، بما يتيح لشرائح واسعة من المواطنين التعرف إلى سيرتهم وإنجازاتهم خلال أنشطتهم اليومية.
ووفقًا لتقرير نشرته وكالة أنباء شينخوا في 3 أكتوبر 2026، تحولت هذه المشاهد إلى مادة متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، وسط إشادات بفكرة منح العلماء مساحة بارزة في الأماكن العامة، باعتبارهم من النماذج التي تستحق أن يتعرف إليها الشباب ويستلهموا من مسيرتها.
من الشهرة إلى صناعة القدوة
وتتجاوز أهمية المبادرة مجرد عرض الصور على الشاشات، إذ تحمل رسالة أعمق تتعلق بطبيعة النماذج التي يحظى أصحابها باهتمام المجتمع، وبكيفية توجيه هذا الاهتمام نحو الشخصيات التي أسهمت في تطوير المعرفة وتحسين حياة الإنسان.
فالعالم الذي يقضي سنوات طويلة في البحث والتجربة، والطبيبة التي تساهم اكتشافاتها في إنقاذ الأرواح، والباحث الذي يطور وسائل الإنتاج الزراعي، جميعهم يقدمون نماذج واقعية لقيمة الاجتهاد والصبر والابتكار، ويؤكدون أن الإنجازات الكبرى لا تتحقق عادة في لحظة واحدة، بل تأتي ثمرة عمل متواصل وإصرار على تجاوز التحديات.
ومن هنا، فإن ظهور العلماء في المساحات الإعلانية الأكثر جذبًا للانتباه يفتح الباب أمام تغيير إيجابي في مفهوم القدوة، بحيث لا تقتصر الشهرة على نجوم الرياضة والفن ووسائل التواصل الاجتماعي، بل تمتد أيضًا إلى أصحاب العقول التي تصنع الفارق في حياة المجتمعات.
رسالة مهمة إلى الأجيال الجديدة
وتكتسب المبادرة أهمية خاصة بالنسبة إلى الأطفال والشباب، الذين يتأثرون بما يشاهدونه في الشوارع والمدارس ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
فعندما يشاهد الطالب صورة عالم ويتعرف إلى قصته واكتشافاته، يمكن أن يتحول هذا المشهد العابر إلى بداية اهتمام بالعلوم أو البحث أو التكنولوجيا، خاصة إذا اقترنت الصورة بمعلومات مبسطة توضح طبيعة الإنجاز وأثره في حياة الناس.
ولا يتوقف الأمر عند تعليق صورة عالم على شاشة عملاقة، بل يمكن تطوير الفكرة من خلال تقديم نبذة قصيرة عن مسيرته، وشرح أبرز اكتشافاته، وربطها بالتحديات المعاصرة، حتى يصبح المحتوى مصدرًا للمعرفة والإلهام، وليس مجرد لوحة تذكارية.
وتؤكد هذه التجربة أن نشر الثقافة العلمية لا ينبغي أن يظل حبيس الكتب والمختبرات وقاعات المحاضرات، بل يمكن أن يصل إلى الجمهور عبر وسائل مبتكرة تستفيد من المساحات العامة والتقنيات الحديثة.
هل يمكن تطبيق التجربة في مصر؟
وتطرح التجربة الصينية سؤالًا مهمًا أمام المدن المصرية، بشأن إمكانية الاستفادة من الشاشات الإعلانية ومحطات المترو والميادين الكبرى في تقديم نماذج وطنية ملهمة للأجيال الجديدة.
فمصر تمتلك سجلًا حافلًا من العلماء والباحثين الذين تركوا بصمات بارزة في مجالات الطب والهندسة والفيزياء والزراعة والفضاء، إلى جانب شخصيات علمية معاصرة تعمل في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي والابتكار.
ومن الممكن إطلاق مبادرات مماثلة بالتعاون بين المحافظات والجامعات والمدارس والمؤسسات العلمية والقطاع الخاص، مع تخصيص مساحات دورية لعرض سير العلماء المصريين وإنجازاتهم، وتقديم معلومات موثقة ومبسطة عن إسهاماتهم.
ويمكن أن تتكامل هذه المبادرة مع أنشطة مدرسية ومسابقات علمية وزيارات للجامعات ومراكز البحث، بما يجعل الاحتفاء بالعلم جزءًا من الحياة اليومية، ويشجع الطلاب على اكتشاف ميولهم العلمية وتنمية قدراتهم.
ولضمان نجاح أي تجربة مماثلة، ينبغي الاهتمام بدقة المعلومات، وتنوع الشخصيات التي يجري تقديمها، وإبراز الإنجازات الفعلية بعيدًا عن المبالغة، مع احترام حقوق الصور والملكية الفكرية، حتى تحقق المبادرة هدفها الثقافي والتعليمي بصورة مهنية ومستدامة.
العلم يستحق أن يكون في صدارة المشهد
إن تخصيص الشاشات العامة للاحتفاء بالعلماء يمثل رسالة رمزية مهمة، مفادها أن تقدم المجتمعات لا يقاس فقط بما تستهلكه من منتجات أو تتابعه من مظاهر الترفيه، بل أيضًا بما تقدمه من معرفة واكتشافات وحلول للتحديات التي تواجه الإنسان.
فالمجتمع الذي يعرّف أبناءه بعلمائه، ويحتفي بالباحثين والمبتكرين، يفتح أمام الأجيال الجديدة آفاقًا أوسع للتعلم والطموح، ويؤكد أن قيمة الإنسان لا ترتبط بحجم شهرته وحده، وإنما بما يقدمه من معرفة وعمل نافع وأثر إيجابي.
ويبقى السؤال الذي تطرحه التجربة الصينية أمامنا: لماذا لا تخصص مدننا المصرية جزءًا من شاشاتها العملاقة للاحتفاء بعلمائنا ومبدعينا، وتقديمهم إلى الشباب باعتبارهم نماذج تستحق المعرفة والاقتداء؟
هل تؤيد تطبيق هذه الفكرة في مدينتك؟ ومن العالم المصري الذي ترى أنه يستحق أن تتصدر صورته شاشات مدينتك؟
زاجل الإخباري