الحجاب الثاني: دخلناه بإجابات لا بأسئلة بقلم/ اسلام عبدالعزيز فرحات

كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات 

الحجاب الثاني أدق من مجرد أن يدخل الإنسان إلى القرآن بقناعات سابقة؛ فكل إنسان يحمل معه شيئا مما عاشه وتعلمه، لكن الخطر يبدأ حين تتحول هذه القناعات من أشياء قابلة للمراجعة إلى أجوبة نهائية، ثم لا يبقى للقرآن إلا أن نبحث فيه عما يؤيدها.

عندئذ لا نأتي إلى الوحي بالسؤال الذي ينتظر الهداية وإنما بالجواب الذي يبحث عن شاهد، ويصبح النص -من حيث لا نشعر- وسيلة لتثبيت ما استقر فينا بدلا من أن يكون قادرا على مراجعته.

وقد عرض القرآن هذا المرض في مشهد بالغ الدقة، حين جاء قوم إلى الوحي بأجوبة سابقة ثم جعلوا السؤال وسيلة لتأجيل الاستجابة لا للوصول إليها.

وقعت جريمة واختلطت الاتهامات… فأراد الله أن يكشف الحقيقة، فجاء الأمر الإلهي على قدر من الوضوح لا يكاد يترك مجالا للتردد ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة﴾ ولو كان المقصود مجرد فهم الأمر لانتهت القصة هنا، ولو كانت القلوب قد جاءت تطلب مراد الله وحده لما احتاجت الآية إلى كلمة بعدها.

لكن القصة لم تبدأ عند الأمر بل بدأت عند القلب الذي استقبل الأمر… فبدل أن يتحرك نحو الطاعة بدأ يتحرك نحو السؤال، وليس أي سؤال، إنه السؤال الذي لا يريد أن يعرف ماذا يريد الله بقدر ما يريد أن يؤجل لحظة الاستسلام، سؤال يبدو في ظاهره طلبا للبيان بينما يخفي في أعماقه رغبة الإنسان القديمة في أن تبقى له مساحة يفاوض فيها التكليف ويؤخره ويعيد تشكيله حتى يصبح أقرب إلى ما اعتاده.

ولهذا لم تكن المشكلة أن بني إسرائيل أكثروا من الأسئلة؛ لأن القرآن نفسه كتاب أسئلة، وإنما كانت المشكلة أن الإجابة لم تكن هي غايتهم، كانت الأسئلة تولد من جواب سابق لا من قلب مفتوح على قبول التكليف، وكأنهم قرروا في أعماقهم أنهم لن يندفعوا إلى الأمر كما هو، ثم بدأ العقل بعد ذلك يبحث عن المبررات التي تمنح هذا التردد ثوبا يبدو منطقيا.

وعلى هذا الموقف أخذت القصة منحى عجيبا، فكلما جاءهم الجواب لم يفتح لهم باب الطاعة بل فتح في نفوسهم باب سؤال جديد، وكلما اتسعت رحمة الله لهم ضيقوا هم على أنفسهم، حتى أصبحت البقرة العادية المطلوبة بعيدة المنال… وظهر أن الله جل جلاله لم يكن هو الذي شدد عليهم بل كانوا هم الذين شددوا على أنفسهم؛ لأن القلب الذي ليس لديه استعداد للاستسلام لن تكفيه ألف إجابة.

وقد تبدأ هذه الأجوبة قبل أن نفتح المصحف بوقت طويل، حتى ندخل إليه ونحن لا نشعر أن في أيدينا شيئا نحاكم به ما سنقرأه، وهنا تقع المفارقة التي لا نكاد ننتبه إليها، فنحن نظن أننا نقرأ القرآن بينما نقرأ أحيانا أنفسنا فيه، لا نسمح للآيات أن تقترب من بعض ما استقر فينا لتسأله وتراجعه، بل نطلب منها أن تجد له مكانا وتمنحه شرعية البقاء، فإذا وافقت ما نحمله اطمأن القلب، وإذا هزت شيئا قديما بدأ البحث عن تأويل أو احتمال أو مخرج يعيد الأمور إلى ما كانت عليه.

وعندئذ يتحول القارئ من حيث لا يشعر من تلميذ ينتظر أن يتعلم إلى محام يبحث في ملف ضخم عن العبارة التي تخدم القضية التي جاء بها، فالتلميذ يفرح إذا اكتشف أنه كان مخطئا لأن الحقيقة اقتربت منه، أما المحامي فيخشى كل ما يهدد موقفه فينتقي من النص ما يؤيده ويترك ما يخالفه، وهكذا لا يعود السؤال ماذا يقول القرآن؟ بل كيف أجعل القرآن يقول ما أريد؟.

ويكشف القرآن صورة أشد وضوحا لهذا المرض في موقف إبليس حين جاءه الأمر بالسجود حيث لم يستقبل الأمر بسؤال المتعلم وإنما أخرجه مباشرة إلى ميزان سابق في نفسه ﴿أَنَا خَيْر مِنْهُ﴾ كانت هذه الجملة هي الأصل الذي انطلقت منه بقية حججه؛ لقد عاير أمر الله بما استقر عنده هو بدل أن يعرض ما استقر عنده على أمر الله، وهكذا تبدأ المشكلة كلما دخل الإنسان إلى الوحي وفي داخله يقين سابق لا يسمح للنص بمراجعته، قد لا يقول بلسانه “أنا خير منه” لكنه قد يقول أنا أعرف الواقع وأفهم المصلحة وأدرك العصر، ثم يبدأ بعد ذلك في البحث عن الآيات التي تمنح هذا الجواب شرعيته.

وهنا يبلغ هذا الحجاب ذروته؛ لأن الإنسان لا يكتفي بأن يحمل إجاباته إلى القرآن بل يبدأ – من حيث لا يشعر – في صناعة قرآن يناسب تلك الإجابات، وليس معنى هذا أنه يغيّر كلمات القرآن فكتاب الله محفوظ لا يزاد فيه حرف ولا ينقص، وإنما يختار من آياته ما يبني به الصورة التي جاء بها ويترك ما يهزها أو يمر عليه سريعا أو يؤوله حتى لا يبقى فيه ما يزعجه.

فالسياسي يفتحه فلا تكاد تقع عينه إلا على آيات السلطة والتمكين والصراع والغلبة، وكأن القرآن لم ينزل إلا لإدارة الدولة، وصاحب الخصومة المذهبية يفتحه فلا يرى إلا ما يقيم به الحجة على مخالفيه، وكأن الوحي نزل ليحسم معركة مذهبية لا لتنقية قلبه هو، والواعظ الذي استغرقه الخوف لا يرى إلا آيات الوعيد حتى يكاد القارئ ينسى أن لهذا الكتاب أسماء مثل الرحمة والهدى، وآخر غلب عليه الرجاء فلا يكاد يقرأ إلا آيات المغفرة حتى يخيل إليه أن القرآن لم يتحدث يوما عن الحساب، ومن استهواه الجدل يرى في كل صفحة قضية ينتصر فيها لرأيه، ومن استغرقته الروحانية يكاد ينزع منه حركة الحياة كلها حتى يصبح القرآن عنده كتاب عزلة لا كتاب شهادة على الناس.

وليس الخلل في واحد من هذه المعاني؛ لأن القرآن تحدث عن السياسة وتزكية النفس والرحمة والجهاد والعمران والأسرة والسوق والقضاء والأخلاق، وإنما الخلل أن يتحول الجزء إلى كل، وأن يصبح القرآن في أعيننا بحجم الهم الذي نحمله لا بحجم الرسالة التي جاء بها…

وعندئذ نستعير نور السماء لا لنهتدي به وإنما لنضيء به الطريق الذي اخترناه سلفا، ونستدعي كلام الله لا ليحاكم مواقفنا وإنما ليمنع الآخرين من محاكمتها، ومن يومها تصبح مراجعة النفس أصعب من أي وقت مضى؛ لأن الإنسان لم يعد يدافع عن رأيه مجردا، بل صار يظن أنه يدافع عن الدين نفسه… فإذا ناقشته شعر أنك تناقش القرآن مع أنك في الحقيقة تناقش فهمه هو، وإذا دعوته إلى إعادة النظر ظن أنك تدعوه إلى الشك في الوحي، بينما المطلوب أن يشك قليلا في نفسه.

وهنا يبلغ الحجاب غايته… فلم يعد بين الإنسان وبين القرآن حجاب من جهل ولا من قلة قراءة ولا من ضعف محبة… بل حجاب أخطر من ذلك كله، حجاب اسمه اليقين بالنفس، وحين يمتلئ القلب بهذا اليقين تموت الدهشة التي يولد منها الاكتشاف، ويصبح كل لقاء جديد مع القرآن مجرد تأكيد لما كان يظنه الإنسان منذ الأمس، وبعدها لا تعود القراءة رحلة تحول بل ممارسة تتكرر دون أن ينتظر صاحبها أن يحدث فيها شيء جديد… وهنا يبدأ الحجاب التالي في التشكل، والذي يتحول معه اللقاء بالقرآن وقراءته إلى مجرد طقس.

“يتبع إن شاء الله”

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *