عم صلاح.. عامل بناء من الفيوم حوّل سنوات الشقاء إلى ثماني طبيبات.. حكاية أب وأم انتصرا بالتعليم على قسوة الحياة

كتب/ حسن الجندي

زاجل الإخباري – قصة إنسانية

في حكاية مصرية تحمل الكثير من معاني الصبر والإصرار والوفاء، يبرز اسم «عم صلاح»، عامل البناء البسيط القادم من محافظة الفيوم، الذي استطاع أن يحوّل سنوات طويلة من العمل الشاق والمعاناة إلى قصة نجاح إنسانية تستحق أن تُروى، بعدما نجح في تعليم بناته الثماني حتى أصبحن طبيبات، ليجني ثمرة رحلة امتدت لأكثر من 35 عامًا من الكفاح والعمل المتواصل.

لم يكن عم صلاح صاحب ثروة أو رجل أعمال يمتلك الإمكانات التي تتيح لأبنائه حياة مرفهة، ولم تكن لديه أراضٍ أو ممتلكات تضمن لهم مستقبلًا سهلًا، وإنما كان يمتلك إرادة أب لا يعرف الاستسلام، وحلمًا ظل متمسكًا به طوال سنوات عمره، وهو أن يرى بناته متعلمات، وأن يمنحهن الفرصة التي تساعدهن على بناء مستقبل أفضل.

على مدار أكثر من ثلاثة عقود ونصف، عمل صلاح في مهنة البناء، متنقلًا بين مواقع العمل، حاملًا الطوب والأسمنت، ومتحملًا مشقة العمل تحت أشعة الشمس وفي ظروف لا تخلو من التعب والإرهاق، وكان كل ما يشغله هو توفير احتياجات أسرته وتدبير مصروفات تعليم بناته، حتى لا تقف الظروف المادية حائلًا أمام أحلامهن.

ولم تكن هذه الرحلة مسؤولية الأب وحده، فقد كانت الزوجة شريكة أساسية في صناعة هذا النجاح، إذ ساهمت في تحمل أعباء المعيشة، إلى جانب مسؤوليات المنزل وتربية الأبناء، وعملت في بيع الأعلاف للمساعدة في توفير نفقات الأسرة والتعليم، لتصبح الحكاية قصة كفاح مشترك بين زوجين قررا ألا يستسلما لضيق الحال، وأن يجعلا من تعليم الأبناء أولوية لا تقبل التنازل.

ومع مرور السنوات، بدأت ثمار هذا الصبر تظهر، واستطاعت البنات الثماني الوصول إلى كليات الطب، حتى تخرجن وأصبحن طبيبات، في مشهد يلخص قيمة التعليم والإصرار، ويؤكد أن الظروف الاقتصادية الصعبة، مهما بلغت قسوتها، لا ينبغي أن تكون نهاية الطريق أمام الطموح والاجتهاد.

دموع فرح كشفت حكاية أسرة كاملة

وعادت قصة الأسرة إلى الواجهة بقوة بعد تداول مقطع فيديو مؤثر للدكتورة الشيماء صلاح، خلال مناسبة مناقشة رسالة الماجستير، حيث ظهرت متأثرة وهي تتحدث عن والدتها وأسرتها، وتوجه كلمات الشكر والامتنان إلى الأم التي كانت، بحسب حديثها، السند الحقيقي وراء ما وصلت إليه الأسرة من نجاح.

وتحدثت الشيماء عن كونهن ثماني شقيقات، وعن شقيقهن محمد، أصغر أفراد الأسرة، مؤكدة أن ما تحقق لهن بعد فضل الله يعود إلى دعم الأم وتضحياتها ودورها الكبير في حياتهن.

وكانت كلماتها كافية لإعادة تسليط الضوء على سنوات طويلة من العطاء الذي لم يكن ظاهرًا للآخرين، وعلى أم تحملت مسؤوليات كثيرة، وأب قضى عمره في العمل الشاق من أجل أن يرى أبناءه في مكانة علمية واجتماعية تليق بأحلامهم.

من قرية قارون بالفيوم إلى مدينة السادس من أكتوبر

وبحسب ما نشرته وسائل إعلام مصرية، فإن عم صلاح كان يقيم في قرية قارون التابعة لمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم، قبل انتقاله إلى مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، في خطوة ارتبطت برغبته في توفير ظروف أفضل لأسرته ومواصلة دعم مستقبل أبنائه.

وعبّر الأب عن سعادته الكبيرة بما وصلت إليه بناته، مؤكدًا أن اللحظات التي يرى فيها نجاحهن وتقدير المجتمع لجهودهن تعوضه عن سنوات التعب والعمل الشاق، وأنه يشعر بالفخر بما تحقق بعد رحلة لم تكن سهلة على الإطلاق.

كما كشف عن أمنية يتمنى تحقيقها بعد أن رأى حلمه في تعليم بناته يتحول إلى واقع، وهي أداء فريضة الحج برفقة زوجته وبناته وابنه محمد، لتكون تلك الرحلة مكافأة معنوية لسنوات طويلة من الصبر والعطاء.

الرزق ليس مالًا فقط.. والتعليم أعظم استثمار

وتحمل قصة عم صلاح رسالة تتجاوز حدود الأسرة الواحدة، فالرزق لا يُقاس بما يمتلكه الإنسان من أموال أو عقارات، وإنما بما يتركه من أثر طيب، وبما ينجح في غرسه في نفوس أبنائه من قيم العلم والعمل والاحترام وتحمل المسؤولية.

كما تقدم الحكاية نموذجًا مهمًا لدور المرأة في بناء الأسرة وصناعة المستقبل؛ فالأم لم تكن مجرد شريكة في تحمل أعباء الحياة، بل كانت عنصرًا أساسيًا في رحلة النجاح، تمامًا كما كانت البنات شريكات في تحقيق هذا الحلم باجتهادهن ومثابرتهن.

إن قصة عم صلاح ليست مجرد حكاية عامل بناء أصبحت بناته طبيبات، بل هي شهادة إنسانية على أن عظمة الإنسان لا ترتبط بمهنته أو حجم دخله، وإنما بما يقدمه لأسرته ومجتمعه، وبقدرته على تحويل الصعوبات إلى دوافع للنجاح.

فقد حمل عم صلاح الطوب والأسمنت لسنوات طويلة، لكنه في الحقيقة كان يبني مستقبلًا مختلفًا لبناته، وكانت زوجته تضع معه حجرًا فوق حجر في بناء أسرة آمنت بأن العلم هو الطريق إلى حياة أفضل.

وتبقى هذه الأسرة نموذجًا يستحق التقدير، ليس فقط لما حققته من نجاح علمي، وإنما لما قدمته من درس في الوفاء والتضحية والعمل المشترك، ورسالة لكل أب وأم بأن الاستثمار الحقيقي الذي يبقى أثره طويلًا هو الاستثمار في عقول الأبناء ومستقبلهم.

زاجل الإخباري.. نبحث عن قصص النجاح التي تستحق أن تصل إلى الناس.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *