كتب دكتور / شريف الجندي
حين يكتشف فجأة أن الطريق الذي سار فيه سنوات لم يكن طريقاً ، بل دوراناً حول نفس النقطة .
وأن الحفرة التي سقط فيها لم تُحفَِر له ، بل حفرها هو بإصراره على ما يعرف أنه خطأ .
الإنسان لا يهلك لأنه يُخطئ ، بل لأنه يُصرّ على الخطأ .
يستمر في الحفر وهو يرى الجدار يقترب من رأسهِ ، ويقنع نفسه أن خطوة أخرى إلى الأسفل قد تقرّبه من الضوء.
وأخطر ما في الإنسان :
قدرته على خداع نفسه ، فهو يستطيع أن يبرر لنفسه كل شيء
يستطيع أن يحوّل الوهم إلى عقيدة، والعادة السيئة إلى طبيعة ، والسقوط إلى ” ظروف ” .
إن هذا العقل الذي خُلق ليكون مصباحاً ، يتحول أحيانًا إلى محامٍ بارع يدافع عن كل ما يدمّر صاحبه .
والقلب الذي خُلق ليحيا ، يتحول إلى مخزن للذكريات المؤذية التي نرفض التخلي عنها .
وهكذا لا نحتاج إلى عدو خارجي …
يكفينا أن نتعود .
إن السقوط ليس المشكلة … المشكلة أن نرتاح في القاع
السقوط طبيعي ، بل ضروري .
لكن الخطر أن نُزيّن القاع ، ونعلّق على جدرانه صوراً ، ونُسمّيه ” استقراراً .
أن نقول لأنفسنا :
“هذه إمكانياتي . هذا قدري … هذا نصيبي .”
بينما الحقيقة أننا خفنا من الصعود ، لا أكثر .
الواقعية التي نتذرع بها ليست واقعية …
إنها خوف متقن الصنع .
– الوعي … أن تتحمل الحقيقة وهي تفضحك
– الوعي ليس أن تعرف ، بل أن تتحمل ما تعرف .
أن تسمع الحقيقة وهي تقول لك :
أنت لست ضحية بالكامل… أنت شريك .
أنت من حفرت ، وأنت من واصل الحفر ، وأنت من تجاهل الحبال الممدودة لك .
هذه اللحظة لحظة الاعتراف هي الولادة الحقيقية .
لحظة أن تقول لنفسك :
كفى
كلمة ( كفى) هي بداية الصعود
الصعود لا يبدأ بخطوة إلى أعلى ، بل بتوقف عن النزول .
بتوقف عن التبرير .
بتوقف عن خداع النفس .
بتوقف عن الحفر .
عند هذه اللحظة فقط …
يولد الإنسان من جديد .
لا من رحم أمه ، بل من رحم وعيه .
……………………..
من مقالات
د. مصطفى محمود
الله يرحم العلامه د مصطفى محمود