شخصيات عامه

أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلاً إذا نظرت إليه رأيت أثر السنين في وجهه، ورأيت نور الإيمان يملأ قلبه، ورأيت رجلاً حمل همّ الأمة منذ اللحظة الأولى لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم،

كتب دكتور / شريف الجندي

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلاً إذا نظرت إليه رأيت أثر السنين في وجهه، ورأيت نور الإيمان يملأ قلبه، ورأيت رجلاً حمل همّ الأمة منذ اللحظة الأولى لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يعرف راحة ولا هدنة ولا سكوناً، حتى إذا دخلت السنة الثالثة عشرة للهجرة، وكان قد بلغ من العمر ثلاثاً وستين سنة، بدأ جسده النحيل يضعف، وبدأت آثار التعب تظهر عليه، وكان كثير العبادة، كثير البكاء، كثير الخوف من الله، قليل الكلام إلا فيما ينفع المسلمين.

وفي جمادى الآخرة من تلك السنة، أصابه مرض شديد، واشتدت عليه الحمى، ولزم فراشه خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى الصلاة، وكان عمر بن الخطاب يصلي بالناس، وكان الصحابة يأتون إليه يسألونه عن حاله، فيبتسم لهم ويقول إن لله أمراً هو بالغُه، وما على عبد إلا أن يرضى بما كتب الله له.

فلما رأى أبو بكر أن المرض يشتد وأن أجله يقترب، جمع عقله وقلبه، وجمع قوته المتبقية، وأراد أن يطمئن على الأمة التي حملها على كتفيه سنتين وثلاثة أشهر، فأرسل إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فلما دخل عليه قال له أخبرني عن عمر، فقال عبد الرحمن ما سألتني عن أحد إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبو بكر وإن، فقال عبد الرحمن هو والله خير مما تظن، قوي في الحق، شديد على الباطل، أمين على الأمة.

ثم دعا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان عثمان من ألطف الناس قلباً وأعرفهم بالرجال، فقال له أخبرني عن عمر، فقال عثمان أنت أعلمنا به، ولكن علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، وأنه رجل إذا ولي الأمر أقامه بالعدل والقوة.

ثم دعا أسيد بن الحضير رضي الله عنه، وكان من سادات الأنصار، فقال له أسيد يا خليفة رسول الله، والله ما نعلم في الناس رجلاً أقوى على هذا الأمر من عمر، يرضى للرضا ويسخط للسخط، وما نعلم أحداً أحرص على الحق منه.

فلما سمع أبو بكر كلامهم، اطمأن قلبه، ولكنه أراد أن يقطع دابر الفتنة، وأن لا يترك الأمة بلا إمام، فدعا عثمان بن عفان خالياً، وقال له اكتب، فجلس عثمان بقلمه، وقال أبو بكر بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أما بعد، ثم أغمي عليه، فخشي عثمان أن يموت أبو بكر قبل أن يكمل العهد، فكتب من عند نفسه أما بعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلُكم خيراً، ثم أفاق أبو بكر، فقال اقرأ علي، فقرأ عثمان، فكبر أبو بكر وقال جزاك الله خيراً، والله لو كتبتها أنت ما كتبت إلا ما أردت.

ثم أمر أبو بكر أن يُقرأ العهد على الناس، فجمعوا في المسجد، وكان عمر واقفاً يقول للناس اسمعوا لخليفة رسول الله فإنه ما أراد إلا الخير، فلما قرئ العهد قال الناس سمعنا وأطعنا، ورضينا بمن اخترت يا خليفة رسول الله.

ثم دعا أبو بكر عمر بن الخطاب، فلما دخل عليه قال له يا عمر اتق الله، واعلم أن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وعملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، وأن أثقل الناس ميزاناً يوم القيامة من اتبع الحق في الدنيا وإن ثقل عليه، وأخف الناس ميزاناً من اتبع الباطل وإن خف عليه، واعلم يا عمر أن الله ذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم فقلت إني لأرجو أن لا أكون منهم، وذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم فقلت أين عملي من أعمالهم، فإن أنت حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من الموت، وإن ضيعتها لم يكن غائب أبغض إليك منه.

ثم خرج عمر، فرفع أبو بكر يديه وقال اللهم إني لم أرد إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم، اللهم اجعل فيه خيراً للأمة، وبارك له في عمله، واجعله من خلفائك الراشدين.

وبقي أبو بكر أياماً يزداد مرضه، وكان يشتد عليه الوجع، ومع ذلك كان يبتسم ويقول اللهم توفني مسلماً وألحقني بالصالحين، وكان ينظر إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيبكي شوقاً إليه، ويقول ما على من أحب لقاء الله إلا أن يلقى الله.

وفي ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، اشتد عليه المرض، وبدأت أنفاسه تضعف، ودخلت عليه ابنته عائشة رضي الله عنها، فسمعته يقول في آخر لحظاته توفني مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم فاضت روحه الطاهرة، فبكت عائشة، وبكى أهل المدينة، وارتج المسجد بالبكاء، فقد مات خير الأمة بعد نبيها.

وحُمل أبو بكر في تلك الليلة، وصلى عليه عمر بن الخطاب، ودفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجرة الشريفة، حتى صار قبره ملاصقاً لقبر النبي، كأن الله جمع بينهما في الحياة والممات.

فلما دفن، صعد عمر المنبر، وخطب الناس، وقال إن الله ابتلاكم بي وابتلاني بكم، وقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، ثم قال إنما مثل العرب مثل جمل يتبع قائده، فلينظر قائده أين يقوده، ثم بكى وقال رحم الله أبا بكر، ما ترك لأحد بعده عذراً.

وهكذا انتهت حياة رجل حمل الإسلام على كتفيه، وثبت الأمة يوم ارتدت العرب، وجمع القرآن، وقاد الجيوش، وأقام العدل، ومات وهو راضٍ عن الله، راضٍ عنه الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *