زهرات_من_بستان_القرآن. زهرتنا الأولى… ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾

اسلام عبدالعزيز فرحات
#زهرات_من_بستان_القرآن
(1)
زهرتنا الأولى… ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾
القرآن في أول صفحاته، لا يبدأ بقصص بعيدة، ولا بأحكام معقدة، بل يضع يده مباشرة على أخطر موضع في الإنسان: القلب… ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾
آية قصيرة… لكنها مخيفة، لأن الختم ليس صاعقة نزلت فجأة، ولا عقوبة أول ذنب، ولا محطة في طريق بدأ بالأمس.
الختم… هو نهاية رحلة طويلة من الإعراض الصغير، والتأجيل البسيط، والتسويف الذي لا نشعر به، هو أن تسمع الآية أول مرة، فتقلق، ثم تسمعها ثانية، فتفهم، ثم تسمعها ثالثة، فلا تتحرك، ثم تسمعها رابعة… وكأنها لم تُقل لك أصلًا.
الخطر ليس أن نُخطئ، فالخطأ طبيعة بشرية، لكن الخطر… أن نُخطئ، ثم نُبرر، ثم نُكرر، ثم نألف الخطأ، حتى يصبح وجوده في القلب عاديًا، ويصبح إنكاره ثِقَلًا.
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ لم يقل: أغلق، بل قال: خَتَم، والختم لا يكون إلا على شيء كان مفتوحًا يومًا ما.
كان القلب يسمع… كان يخشع… كان يبكي… ثم شيئًا فشيئًا، تراكم عليه الغبار، غبار الذنوب التي لم نتب منها، غبار الغفلة التي ضحكنا معها، غبار القسوة التي سميناها “قوة”، وغبار الانشغال الذي سميناه “حياة”.
حتى جاء يوم… لم نعد نشعر فيه بثقل الآية، ولا بحرارة الدعاء، ولا بوحشة البُعد، وهنا الخطر الحقيقي.
الخطر الحقيقي أن تصلي… ولا تشعر أنك عدت، أن تسمع القرآن… ولا تشعر أنه يخاطبك، أن يمر رمضان… ولا يحدث فيك شيئًا.
رمضان لم يأتِ ليزيدنا معلومات، ولا ليختبر قوة أصواتنا في التراويح، بل جاء ليُنقذ القلب قبل أن يُختم، جاء ليكسر الاعتياد، ليوقظ الفطرة، ليقول لك: ما زال الباب مفتوحًا…
لكن لا تؤجل الطرق، القرآن في أول جزء منه، لا يُخيفك ليُبعدك، بل يُحذّرك ليُعيدك، كأنه يقول لك: انتبه… القلب الذي لا يتحرك اليوم، قد لا يسمع أصلا غدًا.
لكن الرحمة هنا أعظم من الخوف، لأن الذي أخبرنا عن الختم، هو نفسه الذي فتح باب التوبة، وبسط اليد بالليل والنهار، وقال: يا عبادي… لا تقنطوا.
فاسأل نفسك الليلة، وأنت خارج من الصلاة:
— متى كانت آخر مرة بكى فيها قلبي؟
— متى كانت آخر آية هزتني فعلًا؟
— هل ما زلت أتأثر… أم فقط أعتاد؟
اللهم لا تجعلنا ممن يسمعون الآيات ولا تسمعهم قلوبهم، ولا ممن تُغلق الأبواب وهم واقفون أمامها.