اسلام عبدالعزيز فرحات
زهرات_من_بستان_القرآن
(3)
زهرتنا الثالثة:
كذلك… حين يتراجع المنطق ويتقدم اليقين
هناك…
في المسافة الرهيفة بين سؤال القلب وجواب السماء… تولد كلمة واحدة تكفي المؤمنين جميعًا:
كذلك.
ليست كلمة عابرة في سياق القص، بل هي — في الوعي القرآني— إعلان سيادة القدرة حين تتهاوى حسابات البشر…
وقد وردت هذه الكلمة “كذلك” في مشهدين:
المشهد الأول: طهر مريم وسؤال الدهشة
تقف مريم — عليها السلام — في مقام الطهر الكامل، لم يكن سؤالها اعتراضًا… بل كان دهشة النقاء حين يلامس الغيب حدود الواقع: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾
وهنا لا يطيل القرآن الجواب، ولا يدخل في تفصيل الأسباب، بل يسكب في قلبها كلمة فاصلة: ﴿كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾
ليس تفسيرًا، بل تسليم، ليس شرحًا، بل نقلٌ للقلب من حساب الأسباب إلى شهود القدرة.
فحين تبلغ الروح ذروة الصفاء… يختصر لها الطريق بكلمة واحدة.
المشهد الثاني: رجاء زكريا وارتعاشة الشيخوخة
وهنا شيخٌ نبيّ، وهن العظم منه، واشتعل الرأس شيبًا، وزوجته عاقر!!!
كل الوقائع تصرخ: انتهى زمن الولادة! فيهمس القلب النبوي بيقين الثقة في طلاقة القدرة: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ…﴾
ويأتي الجواب ذاته، لكن بجرس مختلف: ﴿كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾
هنا يتأكد المعنى الكبير: القدرة الإلهية لا تُستدعى حين تتوفر الأسباب… بل تتجلى غالبًا حين تنهار.
وبين الحالتين، حالة مريم وحالة زكريا، تتجلى لطائف بلاغية عميقة:
الأولى: أن القرآن استخدم (يخلق) مع مريم… و(يفعل) مع زكريا
في قصة مريم: يخلق ما يشاء… لماذا الخلق؟
لأن القضية: إيجاد إنسان من غير أب، خلق على غير السنن الجارية، حدث ابتدائي إعجازي، فاللفظ الأنسب هو الخلق
والخلق هنا نفخة بدء، إيجاد من العدم المباشر، كما يقول صاحب الظلال.
أما في قصة زكريا: “يفعل ما يشاء”، لماذا الفعل؟
لأن الأصل موجود: رجل موجود، امرأة موجودة، لكن العقم والكبر مانعان.. فالمسألة ليست إيجادًا من عدم… بل تصريف أسباب قائمة.
أما اللطيفة الثانية: “كذلكِ” المؤنثة و”كذلك” المذكرة، فمع مريم:
كَذَٰلِكِ، خطاب مباشر حانٍ، يتناسب مع مقام الطمأنة الفردية لمريم.
أما مع زكريا: “كَذَٰلِكَ” صيغة أعمّ أقرب إلى تقرير سنّة إلهية عامة، وكأن الخطاب مع مريم تسكين قلب، ومع زكريا تقرير قانون.
ولذلك تكررت “كذلك”، لتؤسس في الوعي المؤمن: أن الله يُجري خوارق القدرة في حال انعدام السبب، وفي حال تعطل السبب.
الخلاصة :
ليس المقصود من القصة أن نُعجب بالمعجزة، بل أن نتربى على عقيدة: كذلك.
فحين يقول الواقع: مستحيل، يقول الوحي: كذلك.
وحين تضيق الأسباب، يُفتح باب المشيئة.
وحين يفهم القلب سرّ “كذلك”، لن يقف طويلًا على أبواب اليأس.