دين

زهرات_من_بستان_القرآن . زهرتنا الرابعة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾

اسلام عبدالعزيز فرحات

زهرات_من_بستان_القرآن

(4)

زهرتنا الرابعة:

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾

وسارعوا… لكن إلى أين؟

ليست المشكلة أن كثيرًا منا يريد الجنة… المشكلة أننا أحيانًا نبحث عنها في الطريق الخطأ.

يفتح القرآن النداء عاليًا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾

يا لهذا النداء المستنفر، سارعوا… أقبلوا… تحرّكوا… لكن المفاجأة العجيبة تبدأ بعد ذلك مباشرة.

فالقرآن — وهو يعرّف من أُعدّت لهم هذه الجنة العريضة —

لم يذكر أول ما ذكر طول القيام، ولا كثرة الصيام، ولا عدد الخلوات، بل قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

تأملها بقلبك…معظم الطريق هنا يمر عبر الناس… إنفاق، وكظم غيظ، وعفو، وإحسان، كلها عبادات تتحرك في فضاء المجتمع.

وهنا يربّي القرآن وعيًا عميقًا:أن العبودية ليست طريق خلوة فقط، بل طريقان متلازمان: علاقة خاصة مع الله، وعلاقة عامة مع خلق الله، والصادقون تُرى آثار سجودهم في أخلاقهم.

الإنفاق في السراء والضراء:

ليس مجرد صدقة، بل قدرة على أن تعطي حتى لمن ضاق صدرك منهم، وحتى حين تضيق دنياك أنت.

والكاظمين الغيظ:

ليسوا الذين لا يغضبون، بل الذين تشتعل النار في صدورهم ثم يطفئونها لله.

والعافين عن الناس:

هنا ترتقي الروح درجة أخرى، ليس فقط أن تمسك الأذى، بل أن تمسح أثره من قلبك.

ثم تأتي القمة:

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وكأن الإحسان الحقيقي يُقاس كثيرًا

بما تفعله مع الناس، لا بما تخلو به وحدك فقط.

وهنا السؤال الذي يوقظ القلوب: كم نُحسن ترتيب صلاتنا… ونُهمل ترتيب قلوبنا مع الخلق؟ كم نهتم بعدد الأوراد، وتضيق صدورنا بأقرب الناس إلينا؟

كم نظن الطريق إلى الجنةطقوسًا تؤدى، بينما القرآن يرسمه أيضًا

أخلاقًا تُعاش؟

ليس في هذا تهوين من شأن العبادة الخاصة — حاشا — ولكنه تذكير بأن الله الذي تعبّدت له في محرابك، يريد أن يرى أثر هذه العبادة في سعة صدرك، وسخاء يدك، وعفو قلبك.

فالطريق إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، ليس ركعاتٍ فقط، بل قلوبٌ أوسع من الغضب، وأيدٍ أسبق إلى العطاء، ونفوسٌ تعرف كيف تعفو…

هنا.. وهنا فقط يكتمل معنى التقوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *