زهرات_من_بستان_القرآن.( 6 ) حين يتحوّل الصمت إلى عبادة خفيّة ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: 148]

اسلام عبدالعزيز فرحات
#زهرات_من_بستان_القرآن
(6)
حين يتحوّل الصمت إلى عبادة خفيّة
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: 148]
ما أسهل أن نتكلم حين نُجرح، وما أسرع أن تنفلت الكلمات حين يضيق الصدر، ويطالبنا الألم أن نردّ الصاع صاعين.
لكن المؤمن… ليس من يملك لسانًا فصيحًا، بل من يملك قلبًا مهذّبًا، ولسانًا مربوطًا بخيطٍ من مراقبة السماء.
يقول الله جلّ جلاله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: 148]
آية قصيرة في عدد كلماتها، عظيمة في عدد ما تبنيه من إنسان، إنها لا تنظّم الكلام فحسب، بل تنظّم الغضب، وتضبط الانفعال،
وتعيد تشكيل القلب قبل اللسان.
في التصور الإيماني العميق، الكلمة ليست صوتًا عابرًا، إنها أثرٌ يُكتب، وطاقةٌ تُطلق، ومسؤوليةٌ تُسأل عنها. ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]
كل همسة محفوظة، كل تنهيدة محسوبة، كل كلمة تُوزن بميزانٍ لا يختلّ.
وفي الحديث المتفق عليه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، لاحظ… النبي ﷺ لم يقل: فليقل ما يشاء، ولم يجعل الأصل هو الكلام، بل جعل الأصل: الخير… أو الصمت.
في مدرسة الإيمان، الكلام ليس مباحًا على إطلاقه، هو إمّا عبادة، وإمّا تبِعة… قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله:
احفظ لسانك أيها الإنسانُ. لا يلدغنّك إنه ثعبانُ
لكن… وفي لكن تفاصيل وضوابط
لكن ديننا ليس مثاليات معلّقة في الهواء، هو دين يمشي على الأرض، ويعرف وجع الناس، لذلك قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾
استثناء.. فالمظلوم له أن يتكلم، له أن يرفع صوته، له أن يطالب بحقه.
لكنها رخصة… لا انفلات، الرخصة تُقاس بميزان التقوى، يتكلم لرفع الظلم، لا للتشفّي، يذكر بقدر الحاجة، لا بقدر الغضب، يقصد الإنصاف، لا الفضيحة، ويبقى قلبه نظيفًا من لذّة الانتقام.
تأمل يوسف عليه السلام، حين تراكم عليه الابتلاء، وجاءته الاتهامات من كل حدب وصوب، لم يزد حين سمح له بالكلام على أن قال: {هي راودتني عن نفسي}.. هكذا بكل أدب ولطف وبلا تجريح!!
فعل يوسف عليه السلام ذلك لعلمه أن هناك مستوى أرقى من الجهر، أن ترفع الشكوى إلى السماء قبل أن ترفعها إلى البشر.
هذا ليس ضعفًا، هذا صفاء وانكشاف يتأتى بعده نصر مبين.
المسألة ليست تنظيرًا أخلاقيًا، بل سلوكًا عاشه جيلٌ ربّاه القرآن، جلس أبو بكر الصديق رضي الله عنه يومًا، فجعل رجل يؤذيه ويقع فيه، ورسول الله ﷺ جالس يبتسم، فلما ردّ أبو بكر، قام النبي ﷺ.
تعجّب أبو بكر، فلحقه، فقال له ﷺ: «إنه كان معك ملك يردّ عنه، فلما رددتَ عليه وقع الشيطان» (رواه أبو داود وصححه الألباني)
يا الله…
كان السكوت معيةً من السماء. فلما دخلت النفس على الخط… انصرفت الملائكة، فليس كل ردّ بطولة، وليس كل سكوت هزيمة.
أحيانًا… الانتصار أن تترك المعركة لله.
فإذا ضاق صدرك يومًا،ط، وتزاحمت الكلمات على شفتيك، وتوسّل إليك الغضب أن تتكلم… فتذكّر أن الله لا يحب الجهر بالسوء، وتذكّر أن هناك ملَكًا يكتب، وتذكّر أن في السماء من يدافع عن الصابرين.
افعا ذلك ثم قل في سرّك:
يا رب…
طهّر لساني كما طهّرت قلبي،
واجعل صمتي عمّا لا يرضيك قربةً إليك،
واجعل كلمتي نورًا… لا نارًا.