في سورة الأنعام آيةٌ مذهلة.. آية تبدو للوهلة الأولى استعراضاً مهيباً للإحاطة الكونية المطلقة

كتب دكتور / شريف الجندي
في سورة الأنعام آيةٌ مذهلة..
آية تبدو للوهلة الأولى استعراضاً مهيباً للإحاطة الكونية المطلقة.. لكنها في عمقها = تشريحٌ دقيق لمرض القلق الذي يعتري قلوب كثير منا..
هناك نوعان من القلق في هذا العالم…
قلقُ من لا يعرف ماذا سيحدث، وهو قلق طبيعي وقلقُ من يظن أنه (يجب) أن يعرف..
حين يحاول العقل الهش أن يكسر أقفال المستقبل فهذا هو الاستنزاف الدائم لروحٍ خُلقت لكي تسلم وتتوكل..
لكن لأننا مخلوقات لا تحتمل الفراغ فنريد أن نرى الغد قبل أن يأتي
أن نفهم النهاية قبل أن نبدأ
و أن نطمئن على الرزق قبل السعي وعلى النتيجة قبل الطاعة.
نريد ضمانات قاطعة، وخرائط مفصلة، قبل أن نخطو الخطوة الأولى.
هنا تأتي الآية التي أعنيها لتقطع هذا التوتر الداخلي، وتُسكت ضجيجه بقاعدة حاسمة لا تقبل التأويل:
{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ}.
تأمل الكلمة
“عِندَهُ”.
ليست مبعثرة في الهواء ولا متروكة للصدف أو موزعة بين الأسباب.
ليست في طالع يُقرأ، ولا في رقم يُحسب، ولا في توقعات محلل.
هي “عنده”..
وحده.
الغيب ليس فوضى، بل خزائن محكمة الإغلاق. لها مفاتيح، ولها توقيت فتح دقيق، ولها إذن محدد للخروج إلى عالم الشهادة.
والحقيقة التي يجب أن تتقبلها لترتاح أنك لست الحارس ولا أنت المنوط بحمل تلك المفاتح!
هو وحده يعلمها ويعلم ما هو أدق وأعجب وأشمل..
{وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}.
مسح شامل لكل ما يتحرك على اليابسة، وكل ما يسبح في أعمق خندق بحري مظلم لم تصله عين إنسان.
ثم يقترب المشهد أكثر.. فأكثر..
في قدرة تصويرية تلتقط أدق التفاصيل المهملة
{وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا}.
ورقة جافة تسقط الآن.. في هذه اللحة في أبعد غابة لا تعلم عنها شيئا..
لا يراها أحد..
لا ينتبه لها مخلوق..
ولا تُغير مسار العالم.
لكنها لم تسقط خارج علمه.
ورغم أنها ورقة من مليارات أو تريلونات الأوراق إلا أن سقوطها لم يكن سقوطها حادثا عشوائيا ولم تكن حياتها القصيرة تفصيلاً مهملاً في لوحة التحكم والهيمنة الكونية.
ثم يزداد المشهد دقة وإحاطة
{وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ}.
حبة صغيرة بائسة، مدفونة تحت طبقات التراب، مختنقة في ظلمات ثلاث..
ظلمة الليل، وظلمة الأرض، وظلمة الغيب.
هو يعلمها.
يعلم مكانها،
ويعلم وقت انشقاق الأرض عنها ولحظة خروجها إلى الضوء.
هذه الآية بتفاصيلها المذهلة لم تنزل لتُشبع فضولك المعرفي، أو لتستعرض أمامك قدرات الإحصاء الإلهي..
اعتقادي أن أهم ما فيها مع الإبهار هو كونها تُسكن قلقك الوجودي.
مشكلة كثير منا ليست في أننا لا نعلم الغيب.. بل في أننا نريد أن نعلمه!
بينما الإيمان شيء آخر تماماً.
أن تمشي في طريق لا ترى آخره، لكنك تعرف أن الذي بيده كل المفاتيح.. حكيم.
أن تخسر شيئاً ولا تعرف لماذا، لكنك توقن أن: {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}.
سورة الأنعام تُعلمك “التعظيم”..
تعلمك أن الإله الحق ليس فقط قادراً، بل واسع الإحاطة مطلق العلم.
حين يستقر هذا المعنى في قلبك، يتغير تعريف الطمأنينة للأبد.
الطمأنينة ليست في أن ترى المستقبل.. الطمأنينة أن تثق في مَن يراه.
ليست أن تملك المفاتيح.. بل أن تعرف أن مفاتيح غيب حياتك ليست ضائعة، هي محفوظة “عنده”.
فإذا كان الخالق العظيم يُحصي سقوط الأوراق الجافة، ويعتني بنبض حبة مدفونة في ظلمات الطين.. فكيف يخدعك شيطانك ويقنعك أنه سبحانه سيغفل عن دمعةٍ ساخنة في عينك، أو ينسى أمنيةً مدفونة في ظلمات صدرك تخرج همسا من شفتيك في سجدة خاشعة؟!
كلما أقلقك غدٌ مجهول، أو أربكك رزقٌ مؤجل، أو حيّرك طريق لا ترى نهايته..
فلا تطلب كشف الغيب..
اطلب زيادة اليقين.
سلّم مفاتيح القلق كلها، واسترح..
فأنت لا تمشي في كونٍ عشوائي
أنت في كون كل ما فيه صغر أو كبر في كتابٍ..
كتاب مبين