دين

زهرات_من_بستان_القرآن . (8) زهرتنا الثامنة  حين يُبعث القلب قبل أن يُدفن الجسد

اسلام عبدالعزيز فرحات

زهرات_من_بستان_القرآن

(8)

زهرتنا الثامنة

حين يُبعث القلب قبل أن يُدفن الجسد

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها…﴾

أظنك تعلم يا صديقي أن القرآن لا يبالغ في كلماته، ولا يستعمل الألفاظ على سبيل المجاز البارد.

فحين يقول الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ فهو لا يتحدث عن جسدٍ خرج من قبر، بل عن إنسانٍ كان يمشي ويأكل ويتكلم، لكنه كان ميتًا.

ميتًا بماذا؟، ميت القلب، ميت الإحساس، ميت التصور، ميت الوجهة… جسدٌ يتحرك، وقلبٌ لا ينبض باسم الله.

ولا حظ أنه لم يقل “مَيِّتًا” بتشديد الياء، بل قال “مَيْتًا” بسكونها، وهذا أعمق في المعنى، وأقوى في التصوير.

فمَيِّت (بتشديد الياء) تُستعمل غالبًا لمن هو حيّ الآن لكنه سيَموت، أي: فيه قابلية الموت، أو هو في طريقه إليه، ولهذا يقال: فلان مَيِّت — أي سيموت، لأنه من أهل الفناء، ومن شواهدها قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ فالخطاب للنبي ﷺ وهو حيّ، والوصف هنا باعتبار المآل.

أما مَيْت (بسكون الياء) فتُستعمل غالبًا لمن فارقتْه الحياة بالفعل، أي: الذي تحقّق فيه الموت، فيقال: هذا مَيْت — أي انتهت حياته.

وهنا تتجلى الدقة، فالقرآن يصوّر الحالة قبل الإيمان لا باعتباره استعدادًا للموت… بل باعتبارها موتًا حقيقيًا واقعًا.

كأن القلب كان جثة، كأن البصيرة كانت معطلة بالكامل، كأن الروح بلا نبض، ثم جاء الفعل الإلهي: فأحييناه.

وهنا سؤال: كيف يكون الإنسان ميتًا وهو حي؟ الموت هنا ليس انقطاع النفس، بل انقطاع المعنى، حين يفقد الإنسان بوصلته، حين لا يعود يعرف لماذا خُلق، حين تصبح الدنيا هي الأفق الوحيد، حين تبهت فكرة الحساب، حين ينطفئ سؤال: ماذا يريد الله مني؟

هنا.. وهنا فقط يبدأ الموت، قال تعالى في موضع آخر: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ الأنعام تأكل لأنها خُلقت لتأكل، أما أنت فخُلقت لشيء أعظم، فإذا عشت تأكل وتعمل وتستهلك وتلهو فقط، فأنت لم تمت جسدًا، لكن روحك انطفأت.

خذ مثلا هذا الشاب الذي يحمل أعلى الشهادات العلمية، يفكك الذرة، ويحلل المجرة لكن قلبه لا يعرف خالقه، أيمكنك أن تقول إن إلحاده جهل علم؟ بالطبع لا… هذا موت بصيرة.

أيضا هذا الذي يقضي عشر ساعات يوميًا على السوشيال ميديا، يتنقل بين ضحكة عابرة… وغضب مصطنع… وصراع وهمي… لكن لا دقيقة واحدة يخلو فيها إلى قلبه، أيمكنك اعتقاد أن هذا ترفيه؟ بالطبع لا، هذا موت إحساس.

وثالث يعرف أن المخدرات ستدمر حياته، ورغم ذلك يمد يده إليها، أهذا نقص معلومات؟ بالطبع لا… هذا موت عقل، فالعقل الحي لا يختار ما يهلكه، والقلب الحي لا يعشق ما يقتله.

وهذا يجعلنا نؤكد أن المعصية في جوهرها ليست شهوة فقط، بل علامة على أن شيئًا في الداخل قد مات… شيء لا نراه بل نشعر به حينما نفقده.

أما “فأحييناه” فتحتاج إلى تأمل، فلم يقل سبحانه فعاش، بل قال: فأحييناه… الإحياء من الله، التحول من الله، النفحة والنفخة من الله.

قد يقرأ إنسان القرآن ألف مرة، ولا يتحرك فيه شيء، ويقرأه آخر مرة واحدة… فتنقلب حياته، لأن القضية ليست نصًا يُقرأ، بل نورًا يُمنح.

وقد رأينا هذا بأعيننا، شاب أمريكي — باحث، ناشط، مثقف — قرر في لحظة صدق أن يقرأ الكتب السماوية الثلاثة قراءة مقارنة، لا بروح العداء، بل بروح الباحث.

قرأ… دوّن ملاحظاته… وازن بين التصورات… ثم خرج باعتراف واضح: هذا الكتاب — القرآن — ليس كلام بشر.

لم يسلم لأن أحدًا ضغط عليه، ولا لأنه نشأ في بيئة مسلمة، بل لأنه شعر أن شيئًا في داخله استيقظ، كأن آية مست قلبه، كأن معنى لامس فطرته، كأن نفحة مرت فأضاءت زاوية كانت مظلمة… هذا هو الإحياء، ليس تغيير بطاقة الهوية، بل تغيير مركز الثقل في القلب.

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة أهم وهي قوله تعالى: “وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس”، فالإحياء لا يتوقف عند الشعور الداخلي، ليس حالة وجدانية خاصة بينك وبين نفسك، الإحياء الحقيقي ينتج نورًا، والنور هنا ليس معلومات، ولا ثقافة دينية، ولا عبارات محفوظة.

النور هو: وضوح رؤية، وثبات عند الفتن، وتمييز بين الحق والباطل، وقدرة على أن تقول “لا” حين يذوب الجميع.

“يمشي به في الناس” لاحظ أنه لم يقل: يجلس به في المسجد، ولا: يتأمل به في خلوته فقط، بل يمشي به في الناس، أي في السوق، وفي العمل، وفي الجامعة، وعلى المنصات الرقمية، ووسط الضجيج… فالنور الحقيقي لا يهرب من الواقع… بل يدخل إليه.

وأخيرًا… فإن السؤال الحقيقي ليس: هل أنت حيٌّ جسدًا؟ بل: هل قلبك حيّ؟ هل تمشي بنور أم تمشي مع القطيع؟ هل قراراتك تصدر من يقظة أم من انجراف؟

الله يعرض عليك اليوم وعدًا عظيمًا: يمكن أن تُبعث من جديد، قبل أن تموت، يمكن أن يتغير مسارك، يمكن أن يشتعل قلبك بعد خمود، يمكن أن ترى بوضوح بعد ضباب.. فهل ستستجيب لهذا الوعد “يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم “.

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾

ليست قصة قديمة، إنها احتمال قائم الآن، فاسأل نفسك بصدق: هل أريد الحياة حقًا؟ أم تعودت على الظلمة؟ ثم ارفع قلبك إلى السماء، وقل:

يا رب… إن كنتُ ميتًا فأحيِني، وإن كنتُ في ظلمة فأخرجني، واجعل لي نورًا أمشي به في الناس، ولا تجعلني ممن يعيشون ولا يحيون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *