شخصيات عامه

الباز وشهادة المرأة  . دكتور / شريف الجندي

كتب دكتور / شريف الجندي

الباز وشهادة المرأة

سمعت فيديو للأستاذ محمد الباز خلاصته أنه يجب التفكير وإعادة النظر في مسألة أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل .. وذكر فيه قول الله تعالى : ﴿ … فاستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى … ﴾ [ من الآية ٢٨٢ : سورة البقرة ] .. وتحدث الباز عن أن شهادة أستاذة الجامعة تمثل نصف شهادة عامل مكتبها ، وقس على ذلك بواب عمارتها .. إلخ من الأحبة الذين لم ينالوا قسطًا كبيرًا من التعليم ولم يرتقوا في سلم العلم .

وهنا نتوقف لنبين أن مثل هذا الأمر لا يلتبس إلا على غير المتخصص أو على الذي يتعجل القول ولا يتعمق في التفكير ؛ ذلك لأن النص المذكور به من المضامين والدلالات ما يرفع اللبس ويزيل الغموض الذي يغلف فكر بعض المتعجلين في قراءته .

فالآية تدعونا أن نفرِّق أولًا بين ” الإشهاد ” و ” والشهادة ” .. فالإشهاد يدعو إلى الإفادة من ذوي الخبرة والمعرفة العميقة في المجال الذي يتم ” الإشهاد ” فيه ؛ لذلك قال الله تعالى : ﴿ فاستشهدوا ﴾ ، ولم يقل ” فأشِهدوا ” لأن الشهادة تتعلق بالرؤية العامة التي لا تتطلب عمق معرفة ولا كثير دراية .. أما الاستشهاد فلا يكون إلا برأي الأكثر خبرة والأكثر معرفة بالموضوع الذي هو موضع الإستشهاد .. واستشهدوا تعني اطلبوا منهم أن يشهدوا ، ولا يُطلب للأمر إلا من كان به خبيرًا .

من هنا فعنصر المفاضلة ليس هو الذكورة ولا الأنوثة بل هو الخبرة والمعرفة والدراية .

بالتالي فنحن عندما نأخذ بشهادة الناس على الماركسية مثلًا فلن نرجع إلى فرَّاش المكتب أو عامل البوفيه أو بائع الخضار مثلًا – مع احترامنا لأهلنا هؤلاء جميعًا – ، كما لن نعود إلى أساتذة الفيزياء والكيمياء أو البيولوجيا ؛ لأن شأنهم شأن الفئات السابقة من أهلنا الطيبين فيما يتعلق بالمعرفة بالماركسية ، اللهم إلا إذا كان فيهم مَن درس الماركسية جيدًا .

المهم هنا أننا سنعود إلى المتخصص في الفلسفة الماركسية أو علم الاجتماع الماركسي أو الاقتصاد الماركسي .. من باب ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ . ولو توافر لدينا الأستاذ أو الأستاذة في التخصص فلن نفرِّق في الشهادة على الماركسية بين رأي الأستاذ ورأي الأستاذة على أساسٍ من الذكورة والأنوثة ، بل على أساس منطقية الرأي والدرجة العلمية .

ولما كانت الآية الكريمة قد جاءت في سياق البيع والشراء ، وحركة السوق فقد كانت الخبرة متوافرة هنالك عند الرجل أكثر من المرأة ، لذلك تُقبل شهادة الرجلين من أهل الخبرة في البيع والشراء ، حيث لهم باعهم في مشاهدة أحوال السوق والتسوق والمداينة .. أما إذا افتقدنا وجود رجلين ، فيقع الاستشهاد برجل وامرأتين ليس لقصر عقلها بل لقلة خبرتها بأمور السوق .. شريطة أن يكون الجميع ممن نرضى عنهم كشهداء :﴿ ممن ترضون من الشهداء ﴾ فلو توافر مائة رجل غير مرضي عنهم كشهداء فلا يؤخذ برأيهم ولا يُسمع لهم .. فالذكورة ليست مقياسًا هنا .. إنما هي عامل ترجيح لتوافر الخبرة ليس أكثر .

ثم إن الآية عللت الأخذ بامرأتين بقوله تعالى ﴿ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ بمعنى أن تنسى إحداهما ، أو أن يتعسر على إحداهما وصف الموقف أو تكوين رأي فيه لقلة الخبرة به .. من هنا فإن نص الآية يتيح لنا الذهاب إلى أنه إذا تأكدنا أن لن تضل المرأة – لتوافر خبرتها بالموضوع – فلا مانع من الأخذ برأي واحدة مع الرجل .. بل إنه يجوز الأخذ برأي المرأتين بدون أي رجل في موضوع تحسنانه كالمسائل الأنثوية مثلًا .. ويجوز الأخذ برأي المرأة الواحدة لا غير في حالات معينة – فمثلًا – إذا جاء رجل أو امرأة إلى المحكمة بتقرير طبي من أستاذة في الطب تتوافر فيها الكفاءة العلمية ، هنا سيؤخذ بالتقرير فورًا دون النظر إلى جنس الأستاذة .. فالفاصل هنا المعرفة العلمية الرصينة دون اعتبار للذكورة والأنوثة .. وإلا كانت الآية اكتفت باستشهاد رجل واحد ولا داعي للرجلين لو أن الفاصل يتمثل في الذكورة والأنوثة .

ولو كانت شهادة المرأة نصف شهادة الرجل ، أو لو كانت المرأة ناقصة عقل ودين بالمعنى الشائع ما أوصى رسول الله الأمة بأن تأخذ نصف دينها من أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – وهي أنثى وليست ذكرًا .. ثم ألا تعد رواية عائشة للحديث بمثابة الشهادة على أن الرسول قد قال هذا الرأي أو فعل هذا السلوك .. فلو كانت القاعدة أن شهادتها كامرأة لا تجوز بمفردها لرددنا جميع أحاديثها من دون تردد .

من هنا فالقاعدة ليست عامة ولا مطلقة .. بل الأمر يرتبط بتوافر المعرفة المؤهلة لإبداء الرأي والإتيان بالرؤية .. ولو كانت المرأة ناقصة عقل ودين بشكل عام لرد الرسول رأي السيدة أم سلمة في صلح الحديبية بحجة أنها امرأة والمرأة ناقصة عقل ودين .. لكن الرسول – صلى الله عليه وسلم – أخذ برأيها ، لحضور وعيها ، وعمق فكرتها ، وصواب توجهها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *