في هندسة الطيران هناك حقيقة مرعبة. دكتور / شريف الجندي

كتب دكتور / شريف الجندي
في هندسة الطيران هناك حقيقة مرعبة..
اللحظة التي تتوقف فيها المحركات عن توليد قوة الرفع لا تعني أن الطائرة ستبقى معلقة في الهواء بسلام.
الجاذبية الأرضية ستتدخل فورا وبقسوة لتسحب هذا الكيان المعدني الضخم نحو الأسفل.
السقوط الحر ليس احتمالا يمكن تداركه أو تأجيله.
هو للأسف نتيجة حتمية ومسألة وقت حتى يحدث الارتطام الكارثي.
هذا القانون الفيزيائي الصارم يسري على الروح البشرية بدقة.
الروح كائن سماوي خفيف يواجه دائما جاذبية الطين التي تشده لأسفل.
و”الصلاة” هي قوة الرفع التي تبقي الروح محلقة في مدارها السامي.
محركات الدفع التي تقاوم الجاذبية وتحقق ما اشتق منه اسمها لتظل الروح موصولة بالسماء.
وبعد أن أدخلتك سورة مريم في تلك اللحظات النورانية عبر واحة سجود الأنبياء في سجدتها الجامعة تنقلب الصفحة فجأة ويغادرنا هدوء المحاريب لندخل منطقة صاخبة بضجيج المتمردين وجحود التائهين.
هنا يكشف لك السياق عن المعنى الآخر لاسم الله “الرحمن” َ.
معنى الجلال والهيبة والغيرة القاطعة على الحرمات.
الرحمن يملك غضبة تزلزل الوجود إذا انتهكت حدوده المنيعة.
تبدأ هذه الانتكاسة بآية تصف الهوة السحيقة التي سقطت فيها الأجيال التابعة..
أجيال قطعت حبل الوداد وارتطمت بالقاع.
“فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا”.
المعادلة القرآنية تشرح ديناميكية السقوط بلا مواربة.
الترتيب بين إضاعة الصلاة واتباع الشهوات ترتيب سببي حتمي لا يتخلف.
الصلاة هي حبل الوريد المتصل بالسماء والسد العالي الذي يحجز طوفان الغرائز.
تأمل اللفظ القرآني الدقيق في كلمة “أَضَاعُوا”.
الآية لم تقل تركوا.
الترك هو المرحلة النهائية للانهيار الكامل.
الإضاعة تبدأ بخطوات قد تبدو بسيطة كتأخيرها عن وقتها أو نقرها سريعا بلا وعي أو تفريغها من الخشوع وإخراجها من قائمة الأولويات لتصبح هامشا مملا يهدف لإسقاط الفرض.
وبمجرد أن يهن هذا الحبل وتتشقق جدران هذا السد يحدث ما لا مفر منه.
تتعطل المحركات الرافعة لتجد الروح نفسها في حالة سقوط حر نحو الوحل.
والقلب البشري وعاء لا يقبل الفراغ فإن لم يمتلئ بنور الصلة امتلأ فورا بطين الأرض الملوث.
الكثيرون يسألون بأسى عن سر غرقهم المفاجئ في وحل الشهوات والجواب واضح تماما…
لأن الناهية ضاعت فاستبيحت المنهيات كلها.
اللفظ الذي يلي هذه الإضاعة شديد.
“وَاتَّبَعُوا”.
الآية لم تقل وقعوا في الشهوات فالوقوع خطأ بشري وضعف وارد يمكن تداركه بتوبة.
الاتباع يعني التحول إلى أسرى منقادين كالأنعام يسحبهم الجذب الأرضي أينما شاء والنتيجة النهائية لهذا السقوط المروع محتومة.
“فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا”.
“الغي” هو نقيض الرشد.
وقيل هو واد في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم ينتظر هؤلاء.
وهو قبل ذلك واد من التيه والضياع والخيبة في هذه الدنيا.
معيشة ضنك وحالة تخبط وحشية يعيشها من فقد اتصاله بالسماء لحظة أضاع سببها.
وهنا ترتطم الروح بالأرض وتتهشم سكينتها إلى شظايا لا يمكن جمعها.
الصلاة هي الحاجز الأخير الذي يحول بينك وبين التحطم فإياك أن تقبل التنازل عن قوة رفعك لتصبح من هذا الخلف البائس الذي يحيا ضياعا مركبا يورد موارد الهلاك.
وبئس الخلف لنعم السلف.