منوعات

خرج علقمةُ بنُ صفوانَ بنِ أميّةَ بنِ مُحرِّثٍ الكنانيّ، وهو الجدّ الأعلى لمروانَ بنِ الحكم، في زمنِ الجاهليّة، وكان خروجه بسبب مالٍ يطلبه لنفسه في مكّة

كتب دكتور / شريف الجندي

خرج علقمةُ بنُ صفوانَ بنِ أميّةَ بنِ مُحرِّثٍ الكنانيّ، وهو الجدّ الأعلى لمروانَ بنِ الحكم، في زمنِ الجاهليّة، وكان خروجه بسبب مالٍ يطلبه لنفسه في مكّة.

 

وقد كان في تلك الليلة يسيرُ راكبًا حمارَه، مرتديًا إزارًا ورداءً، ويحملُ في يده مقرعةً يتوكّأ عليها ويستعين بها في طريقه، وكان معه عبدا له يسمى وَردان.

 

وكانت الليلة التي خرج فيها ليلةً مُضيئةً يعلوها ضوءُ القمر، حتى بدت الأرض واضحةَ المعالم، كأنّ الظلمة قد انقشعت عنها، وهي الليلة التي يُعبَّر عنها عند العرب بالليلة الإضحيانيّة.

ظلّ علقمة يسير في طريقه تلك الليلة، حتى انتهى إلى موضعٍ يُقال له حائطُ حُزمان، وهو مكانٌ معروف في تلك النواحي. ولمّا بلغ ذلك الموضع، وقع بصره على أمرٍ عجيبٍ غريبٍ لم يعهده من قبل؛ إذ رأى مخلوقًا من الجنّ يُسمّى شِقًّا. وكان هذا الشقّ على هيئةٍ غير مألوفة، فهو من نوعٍ من الجنّ يظهر على نصف صورة الإنسان؛ له يدٌ واحدة، ورجلٌ واحدة، وعينٌ واحدة، ومع ذلك كان يحمل سيفًا في يده. وليس هذا الشقّ هو شِقَّ الكاهن العربي المشهور المعروف في أخبار العرب، وإنما هو مخلوق آخر من جنس الجنّ يحمل هذا الاسم.

وبينما علقمة يتأمّل هذا المخلوق العجيب، إذ سمعه ينشد أبياتًا من الشعر بصوتٍ جهوريّ، كأنّه يتوعّده ويُنذره، فقال:

علقم إني مقتول … وإن لحمي مأكول

أضربهم بالهذلول … ضرب غلام شملول

رحب الذراع بهلول

فلما سمع علقمة هذه الأبيات التي تنبئ بالعداوة والقتال، أدرك أنّ الأمر لن يمرّ بسلام، وأنّ هذا المخلوق قد عزم على قتاله. فخاطبه علقمة محاولًا أن يصرفه عنه ويتجنّب القتال، وقال مجيبًا إيّاه بأبياتٍ من الشعر:

يا شقها ما لي ولك … اغمد عني منصلك

تقتل من لا يقتلك

أي أنّه كان يقول له: ما الذي بيني وبينك حتى تعتدي عليّ؟ اكفف عني سيفك، وأدخله في غمده، فلا سبب يدعوك لقتلي، فأنا لم أعتدِ عليك ولم أقصد أذيتك، فكيف تُقدم على قتل من لم يهمّ بقتلك ولم يسعَ إلى إيذائك؟

غير أنّ الشقّ لم يستجب لما قاله علقمة، بل أجابه بأبياتٍ أخرى تُظهر إصراره على القتال، فقال:

عبيت لك عبيت لك … كما أتبيح مقتلك

فاصبر لما قد حم لك

أي أنّه كان يعلن استعداده التامّ لمقاتلته، وأنّ الأمر قد قُضي، وأنّ القتال واقع لا محالة، فعلى علقمة أن يصبر لما قد قُدِّر له.

وعند ذلك لم يبقَ مجالٌ للصلح أو الانصراف، فاشتدّ القتال بينهما، وضرب كلّ واحدٍ منهما صاحبه بسلاحه، حتى أصاب كلٌّ منهما الآخر إصابةً قاتلة، فسقط الاثنان قتيلين في ذلك الموضع، وماتا معًا بعد تلك المواجهة العنيفة.

 

فلمّا رأى وَردانُ ذلك فرَّ هاربًا، وعاد إلى قومِ سيّدِه ليُخبِرهم بما حدث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *