كتب دكتور / شريف الجندي
كان العرب يعتقدون اعتقادًا جازمًا بوجود ما يسمّى بالهاتف، وكانوا يستغربون أشدّ الاستغراب ممن ينكر ذلك أو يشكك فيه، إذ يرون أن هذا الأمر من الوقائع المعروفة لديهم التي لا تقبل عندهم الجدل أو الإنكار.
وكانوا يزعمون أنهم يسمعون أحيانًا صوتًا خفيًا يأتيهم من مصدر لا يُرى ولا يُعرف موضعه، فيخاطبهم ذلك الصوت أو يخبرهم بخبر من الأخبار، ثم يقع ذلك الخبر كما سمعوه تمامًا، فيظنون أن هذا الصوت إنما هو هاتف غيبي ينطق بالخبر قبل وقوعه أو عند حدوثه.
ومن الأخبار التي كانوا يتناقلونها في هذا الباب قصة الأعشى بن نباش بن زرارة الأسدي؛ إذ يُروى أنه سمع في يوم من الأيام صوت هاتفٍ ينادي بكلمات شعرية يرثي فيها رجلًا عظيمًا من أشراف العرب، فقال الهاتف:
لقد هلك الفياض غيث بني فهر … وذو الباع والمجد الرفيع وذو الفخر
ففهم الأعشى من هذه الأبيات أن الصوت إنما ينعى رجلًا كريمًا من سادة قريش أو من بني فهر، فتعجب من هذا النداء الغامض، ولم يعرف المقصود به على وجه التحديد. ولذلك أجاب ذلك الصوت بكلمات شعرية أيضًا، كأنه يخاطب الناعي ويسأله عن هوية الرجل الذي يرثيه، فقال:
ألا أيها الناعي أخا الجود والندى … من المرء ننعاه لنا من بني فهر
أي: أخبرنا أيها الصوت الذي ينعى صاحب الكرم والسخاء، من هو هذا الرجل الذي تبكيه وتعلن وفاته بين الناس؟ ومن أي رجال بني فهر هو؟
فجاءه الجواب من الهاتف مرة أخرى، فأوضح له اسم الرجل الذي كان يرثيه، فقال:
نعيت ابن جدعان بن عمرو أخا الندى … وذا الحسب القدموس والحسب القهر
ومعنى ذلك أن الهاتف ينعى عبد الله بن جدعان بن عمرو، وهو رجل مشهور في أخبار العرب بسخائه العظيم وكرمه الواسع، وكان من ذوي الحسب الرفيع والمكانة العالية في قومه.
وكان العرب يفسّرون مثل هذه الأصوات الخفية بتفسيرات مختلفة، ومن أشهر ما كانوا يعتقدونه أن الجن هم الذين ينقلون الأخبار وينشرونها بين الناس، وأنهم يطوفون في الأرض ويشهدون الوقائع، فيسبقون البشر إلى معرفة بعض الأحداث المهمة، ولا سيما ما يتعلق بوفاة الملوك أو موت الرجال المشهورين بالسيادة والجاه والنباهة. فإذا وقع حدث عظيم من هذا القبيل، زعموا أن الجن قد نقلوا خبره، وأن الهاتف الذي يُسمع إنما هو صوت صادر عنهم.
ولهذا السبب تكررت في الأخبار والروايات القديمة كلمة “هاتف” أو “الهاتف”، وكان المقصود بها ذلك الصوت الخفي الذي يسمعه الإنسان دون أن يرى قائله أو يعرف مصدره. وقد ورد ذكر الهاتف في مواضع كثيرة من القصص التي تتحدث عن أخبار الجاهلية، وغالبًا ما كانت الرواية تذكر بعد ذلك الكلمات أو الأبيات التي قالها الهاتف لمن خاطبه.
وكانت هذه الأقوال التي تُنسب إلى الهاتف تتضمن في العادة نوعًا من التكهن أو الإخبار الغيبي؛ فقد تخبر عن حادثة وقعت بالفعل، أو تنبئ بوقوع أمر خطير، أو تحذر من الإقدام على عمل معين، أو تدلّ السامع على طريق أو جهة أو فعل ينبغي أن يقوم به. وفي أحيان أخرى كانت تلك الأصوات تُفسَّر تفسيرًا مختلفًا، فيُقال إن الهاتف ليس إلا الرَّئِيّ الذي يلازم الكاهن، أي الجنيّ الذي يُعتقد أنه يوحي إلى الكهان ويخبرهم ببعض الأخبار.
كما استُعملت كلمة الهاتف أحيانًا بمعنى الصوت الذي يزعم بعض الناس أنه يخرج من داخل الصنم، فيظنون أن الصنم قد نطق أو تكلم، فينسبون إليه تلك الكلمات أو الإرشادات، مع أن مصدر الصوت في الحقيقة غير معروف ولا مرئي.
وهكذا يظهر أن فكرة الهاتف كانت جزءًا من معتقدات العرب في الجاهلية، إذ كانوا يربطون بين الأصوات الخفية وبين عالم الجن أو القوى الغيبية، ويرون في تلك الأصوات وسيلةً لمعرفة الأخبار المهمة أو التنبيه إلى الأمور الخطيرة التي تقع في حياة الناس.
“نحن نسعى جاهدين لأيصال المحتوى الممتع فلا تبخل علينا بالتفاعل و مشاركة المنشور على حسابك، فكيف تثمر شجرة أنتم لا تسقونها.”