(الأميرة نازلي بنت مصطفى فاضل باشا (1853–1913)

كتب دكتور / شريف الجندي
(الأميرة نازلي بنت مصطفى فاضل باشا (1853–1913)
لم تكن الأميرة نازلي مجرد واحدة من أميرات الأسرة العلوية اللاتي عشن في ظلال القصور، بل كانت امرأة سبقت عصرها، وفتحت أبوابًا للفكر والحرية في زمن كانت فيه تلك الأبواب موصدة.
وُلدت نازلي عام 1853 في بيتٍ عريق من بيوت الحكم، فهي ابنة الأمير مصطفى فاضل باشا بن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا، أي حفيدة ذلك البيت الذي صنع تاريخ مصر الحديث. وكانت كذلك ابنة شقيق الخديوي إسماعيل، فجمعت في نسبها بين الدم السياسي والنفوذ العائلي.
غير أن حياة القصور لم تكن هادئة كما تبدو. فحين دخل والدها في خلافات سياسية مع الخديوي إسماعيل، غادرت الأسرة مصر إلى إسطنبول. هناك نشأت الأميرة نازلي في بيئة مختلفة، بين الثقافة العثمانية والأجواء الأوروبية التي كانت تتسلل إلى العاصمة العثمانية في ذلك الزمن. وفي تلك الأجواء انفتحت عيناها على عالم أوسع من حدود القصر والبروتوكول.
تزوجت الأميرة من الدبلوماسي العثماني خليل شريف باشا، فعاشت فترة من حياتها متنقلة بين إسطنبول وأوروبا، واكتسبت خبرة وثقافة جعلتاها أقرب إلى روح عصر النهضة التي كانت تتشكل في الشرق والغرب معًا.
لكن عودتها إلى مصر كانت الحدث الأهم في حياتها. ففي القاهرة، لم تكتفِ الأميرة نازلي بلقبها ولا بمكانتها الاجتماعية، بل حولت قصرها إلى مركزٍ نابض بالحياة الفكرية والسياسية. هناك، في صالونها الشهير، اجتمع كبار مفكري النهضة ورواد الإصلاح في مصر.
كان الشيخ محمد عبده من رواد ذلك الصالون، وكان سعد زغلول من زواره، وكذلك قاسم أمين الذي وجد في هذا المجلس بيئة خصبة لطرح أفكاره عن إصلاح المجتمع وتعليم المرأة. وتحول قصر الأميرة إلى ملتقى للأفكار الجريئة التي كانت تمهد لتحولات كبيرة في المجتمع المصري.
وفي زمن كانت فيه مشاركة المرأة في الحياة العامة أمرًا نادرًا، برزت الأميرة نازلي كواحدة من أوائل النساء اللاتي لعبن دورًا ثقافيًا وسياسيًا مؤثرًا. لم تكن خطيبةً على المنابر، ولا زعيمةً في الشوارع، لكنها كانت العقل الهادئ الذي يفتح الأبواب للنقاش، ويمنح المفكرين مساحةً للحوار والتأثير.
لهذا السبب اعتبرها كثير من المؤرخين إحدى الشخصيات التي ساهمت، بشكل غير مباشر، في تشكيل المناخ الفكري الذي سبق الحركة الوطنية في مصر، وهو المناخ الذي انفجرت ثماره لاحقًا في ثورة 1919.
وفي عام 1913 أسدل الستار على حياة هذه الأميرة الاستثنائية، حين توفيت في القاهرة بعد أن تركت أثرًا يتجاوز حدود النسب واللقب. فقد بقي اسمها مرتبطًا بواحد من أهم الصالونات الفكرية في تاريخ مصر الحديث، وبصورة امرأةٍ استخدمت مكانتها لا للزينة، بل لتفتح نافذة للنور في زمنٍ كان يبحث عن التغيير.