دين

خواطر قرآنية. علمتني_سورة_يوسف (1). اسلام عبدالعزيز فرحات

اسلام عبدالعزيز فرحات

علمتني_سورة_يوسف (1)

في ليالي التهجد، حين يسكن العالم قليلًا، ويتلاشى ضجبج الحياة، وتصفو نسمات شتاء قريتنا الجميل، يصبح صوت القرآن هو الصوت الوحيد الذي يعبر من القلب إلى القلب…

كنا في مسجدنا كعادتنا، خلف المبدع الشيخ هاني محمد سالم هاني الهالوصي، وكانت قراءته من سورة يوسف.. وكعادته تشعر كأن القرآن يتنزل الآن، وكأن عطاءاته وفتوحاته تنهمر على قلبك تستصرخك بإعلان اليقين المطلق والتوحيد الصافي في ولمن هذا كلامه.

سورة يوسف…. هذه السورة التي نحفظ قصتها منذ الصغر، والتي يظن كثير من الناس أنها مجرد حكاية نبي كريم، اكتشفت في تلك الليلة أنها ليست قصة على الإطلاق… بل درس طويل في فهم فلسفة أقدار الله وحكمها.

فالأحداث فيها تبدو متناقضة: رؤيا… ثم بئر.، قصر… ثم سجن، عبودية… ثم ملك، كراهية وإيذاء.. ثم لا تثريب.

واكتشفت أن خلف هذا التناقض الموهوم كله يقف قانون واحد، يتكرر في صمت داخل السورة: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾

وكأن السورة كلها تريد أن تقول للإنسان: لا تحكم على الطريق من أوله، ولا على القدر من نصفه، فإن الله يكتب النهاية قبل أن تبدأ القصة.

ومن هنا بدأت أتأمل السورة تأملا تنساب معه المعاني على قلبي، خاصة مع قدرة القارئ على تصوير المشاهد المختلفة بما يناسبها، وكان كل مشهد فيها يعلمني وينفث في روعي درسا، لو أنفقت عمري كله ما تعلمته، ولذلك أردت أن أشارككم بعض أنوار سورة يوسف..

(1)

علمتني سورة يوسف… أن الله قد يضع القدر العظيم في رؤيا صغيرة… تبدأ القصة بمشهد يبدو بسيطًا للغاية: طفل يقف أمام أبيه ويقول: “يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين”.

في ظاهر الأمر هي رؤيا طفل، لكن القرآن يخبرنا لاحقًا أنها كانت خارطة قدر كاملة، فالكواكب هم الإخوة، والشمس والقمر هما الأب والأم، والسجود هو لحظة التمكين، لكن يوسف لم يفهم ذلك يومها، ولم يكن مطلوبًا منه أن يفهم.

وهنا يتجلى أول درس في السورة: أن الله أحيانًا يضع في حياة الإنسان إشارة مبكرة إلى مستقبله، لكنه لا يكشف له الطريق كله، لأن كشف الطريق كله قد يثقل القلب قبل أن يقوى على حمله.

(2)

علمتني سورة يوسف… أن الحكمة أحيانًا تبدأ بالكتمان، فرد يعقوب لم يكن تفسيرًا للرؤيا، بل كان توجيهًا تربويًا عميقًا: “يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا”.

يعقوب هنا لا يخاف من الرؤيا… بل يخاف من قلوب البشر، فالقلب البشري قد يحتمل الفقر، لكنه قد لا يحتمل أن يرى النعمة عند غيره.

ولهذا كان أول درس تربوي في السورة هو: أن الحكمة ليست فقط في معرفة الحق، بل في معرفة متى يقال الحق، ولمن يقال.

(3)

علمتني سورة يوسف… أن أخطر الجراح قد تأتي من الأقربين، فحين نتأمل بداية القصة نجد أن يوسف لم يكن يواجه عدوًا خارجيًا، لم تكن هناك دولة تحاربه، ولا خصم يتربص به، بل كان الخطر كله داخل البيت… إخوة يجلسون معًا ويقولون: “اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا”.

هذه الجملة وحدها تكشف طبيعة النفس البشرية حين يدخلها الحسد، فالحسد ليس مجرد شعور عابر، بل طاقة مدمرة قد تدفع الإنسان إلى تغيير مسار حياة إنسان آخر بالكامل.

(4)

علمتني سورة يوسف… أن حفظ الله لعباده لا يحتاج إلى أسباب، مادام قرار الحفظ قد صدر…

مشهد قاع الجب من أكثر المشاهد قسوة في القصة كلها، إخوة يلقون أخاهم في بئر مظلم، ويعودون إلى أبيهم بدم كاذب.

في ظاهر القصة يبدو أن يوسف انتهى، لكن القرآن يكشف سرًا خفيًا في تلك اللحظة: “وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون”.

الوحي هنا نزل في قاع البئر، وهذا من أعمق دروس السورة: أن لحظات الانكسار التي يظن الإنسان أنها النهاية، قد تكون في الحقيقة بداية العناية الإلهية… وهذا ما يؤكد عليه النص القرآني مع كل قصص الأنبياء عليهم السلام.

(5)

علمتني سورة يوسف… أن الطهارة قد تدفع ثمنها ظلمًا.. فبعد سنوات من الاستقرار في بيت العزيز تأتي الفتنة الكبرى… امرأة ذات جمال وسلطة تدعو شابًا غريبًا إلى الفاحشة، وتغلق الأبواب.

كل الظروف تدفع إلى السقوط، لكن يوسف يقول كلمة واحدة:

“معاذ الله”…

هذه الكلمة ليست مجرد رفض، بل إعلان انتماء، وكأن يوسف يقول: أنا لا أنتمي إلى هذه اللحظة البشرية الشهوانية الترابية، بل أنتمي إلى الحضرة العلوية التي لا دنس فيها ولا رفث ولا رجس.

العجيب أن النتيجة لم تكن النجاة المباشرة، بل دخل يوسف السجن، وهنا يظهر درس قاسٍ لا يستوعبه كثير من الناس لكنه حقيقي: أن الاستقامة ليست دائمًا الطريق الأسهل، لكنها الطريق الذي ينتهي بالسلامة، ونهايته ليست بالمناسبة دنيوية في كل صورها، فكم من مستقيم طاهر دفع ثمنا باهظا في الدنيا، ثم مات قبل أن يدرك تلك السلامة.. واسألوا سمية رضي الله عنها.

(6)

علمتني سورة يوسف… أن المؤمن لا يتحول إلى ضحية حتى في أحلك ظروفه!!

يوسف دخل السجن مظلومًا، لكن القرآن لم يصوره كسجين محطم، بل صوره كداعية يقول لرفيقيه في السجن: “أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار”.

وهنا يتحول السجن من مكان للعقوبة إلى منبر للدعوة، وهذا أحد أسرار الشخصية المؤمنة: أنها لا تسمح للمكان أن يحدد رسالتها، ولا لسطوة الظلم أن تنال من عزيمتها، فحياتها مع الله ولله جعلها ترى الخير في كل ابتلاء، وتلك درجة يقين لا يصل إليها إلا الصالحون.

(7)

علمتني سورة يوسف… أن الله يدبر الطريق من حيث لا يتوقع الإنسان!

تفسير حلم سجين يبدو حدثًا بسيطًا، لكن هذا الحدث الصغير كان هو المفتاح الذي فتح باب القصر ليويف عليه السلام، فالذي خرج من السجن يومًا ليخدم الملك لم يكن يعلم أن حلمًا صغيرًا سيغير مصير دولة كاملة.

وهنا يتجلى القانون الذي يتكرر في السورة كلها: أن الله قد يبني القدر العظيم بخطوات صغيرة لا يلتفت إليها الناس، ولهذا فإن المسلم مطالب دوما بتدريب قلبه على اليقين في المسبب، والتعبد بالأخذ بالأسباب.

الخلاصة

حين تمر تلك المشاهد أمام عينيك، وتسمعها بأذن قلبك، تدرك أن القصة كلها تتحرك تحت قانون واحد: أن ما يراه الإنسان أحداثا مؤلمة قد يكون في الحقيقة تدبيرًا إلهيًا دقيقًا، وأن ما يظهر منه الألم والعنت قد يختبيء فبه النعيم والسؤدد.

فالبئر لم يكن هلاكًا، والسجن لم يكن ضياعًا، والانتظار لم يكن عبثًا، والعفة الحقيقية لم تكن خيارا خاطئا…

لقد كان كل ذلك طريقًا خفيًا يقود إلى لحظة مأمولة، اللحظة التي تحققت فيها الرؤيا، وسجدت الكواكب، ومعها الشمس والقمر!!!

وهنا فقط يفهم الإنسان معنى الآية التي ظلت تتردد في السورة كأنها مفتاحها الخفي: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *