حين تخذل النبوءة موعدها… كيف تكشف الرموز الدينية حدود الحرب وتفضح هندسة الخطاب الدولي

بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
ليس أكثر خطورة في زمن الحروب من لحظةٍ تُرفع فيها السياسة إلى مقام النبوءة، ثم تعجز النبوءة عن الوفاء بموعدها، لأن هذه اللحظة لا تكشف فشل توقيتٍ فقط، بل تفتح نافذة نادرة لفهم ما يجري خلف الستار؛ حيث تتعرّى العلاقة بين الدين بوصفه معنى، والسياسة بوصفها إدارة قوة. إن اقتران الحديث عن حربٍ كبرى أو تحوّل استراتيجي مع مناسبة بحجم عيد الفصح اليهودي لم يكن مجرد تزامن زمني، بل محاولة واعية لاستدعاء سردية “الخروج” من الضعف إلى السيطرة، ومن التهديد إلى النجاة، وهي سردية عميقة الجذور في الوعي الغربي والأمريكي على وجه الخصوص. لكن حين مرّ العيد دون أن تتحقق “النبوءة” التي جرى التلميح إليها أو الترويج لها، لم يكن ذلك فراغًا، بل كان حدثًا بحد ذاته، لأن عدم وقوع الحدث في موعده يكشف أن ما قُدِّم للجمهور لم يكن وعدًا دينيًا بقدر ما كان أداة سياسية مُحمّلة بلبوس ديني.
في القراءة الاستشرافية، لا نسأل: لماذا لم تقع النبوءة؟ بل نسأل: ماذا يفعل صانع القرار بعد أن لا تقع؟ هنا تبدأ القصة الحقيقية. التاريخ السياسي الحديث – وخاصة في الولايات المتحدة – يبيّن أن الرموز الدينية لا تُستخدم لتحديد الأحداث، بل لإعادة تفسيرها بعد وقوعها أو تأجيلها، وهنا يصبح الخطاب هو ساحة المعركة البديلة. فحين يتحدث زعيم مثل دونالد ترامب في توقيتٍ متصل بمناسبة دينية كبرى، فهو لا يخاطب فقط الداخل الأمريكي، بل يعيد رسم حدود الشرعية الدولية: من هو “شعب الخروج” اليوم؟ ومن هو “فرعون” العصر؟ ومن يستحق أن يُمنح غطاءً أخلاقيًا للحرب؟
عدم تحقق الحدث في عيد عيد الفصح اليهودي لا يعني انتهاء السردية، بل يعني انتقالها إلى مرحلة أكثر تعقيدًا؛ مرحلة إعادة التكييف. في هذه المرحلة، تُطرح ثلاثة مسارات محتملة: إما تأجيل الحدث مع الإبقاء على رمزيته، أو تحويل النبوءة من حدثٍ عسكري إلى “تحول سياسي” يُسوّق بوصفه إنجازًا، أو إعادة تعريف “العدو” لتبرير استمرار الصراع. وهذه ليست فرضيات نظرية، بل أنماط متكررة في إدارة الأزمات الكبرى، حيث يصبح الخطاب أكثر أهمية من الحدث نفسه.
ومن زاوية أعمق، يكشف هذا المشهد عن تحوّل في طبيعة الصراع الدولي ذاته؛ فلم يعد الصراع فقط على الأرض أو الموارد، بل على المعنى. من يملك القدرة على تفسير الأحداث، يملك القدرة على توجيهها. وهنا تحديدًا تتقاطع السياسة بالدين، لا بوصفه إيمانًا، بل بوصفه أداة تأطير نفسي وجماعي. لذلك، فإن غياب “الحدث الموعود” في توقيت مقدس لا يُضعف المشروع السياسي، بل قد يدفعه إلى مزيد من التعقيد، لأنه يُحرره من قيد التوقيت ويُبقيه مفتوحًا على احتمالات متعددة.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن المرحلة القادمة لن تكون مرحلة “تحقق النبوءة”، بل مرحلة “إدارة غيابها”. وهذا أخطر، لأن النبوءة حين لا تتحقق تُصبح أكثر مرونة، وأكثر قابلية لإعادة التوظيف، وأكثر قدرة على التسلل إلى الوعي دون مقاومة. وهنا يتحول السؤال من: هل وقعت؟ إلى: متى وكيف سيُعاد تقديمها؟ ومن سيدفع ثمن تأجيلها؟
إن القراءة الاستشرافية الحقيقية لا تنخدع باللحظة، بل تنظر إلى ما بعدها. وما بعد هذا العيد ليس نهاية قصة، بل بداية فصلٍ جديد تُعاد فيه كتابة المعاني، وتُصاغ فيه التبريرات، وتُختبر فيه قدرة القوى الكبرى على تحويل التأجيل إلى انتصار مؤجل، والهزيمة الرمزية إلى خطابٍ قادر على الاستمرار. وفي هذا الفراغ بين الموعد والحدث، تتشكل أخطر تحولات العالم.