استشهادِ عثمان بن عفان رضي الله عنه، تمَّت البيعةُ بالخلافةِ لأميرِ المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك في اليومِ التالي مباشرةً ليومِ مقتلِ عثمان،

  1. كتب دكتور/ شريف الجندي

  2. عقب استشهادِ عثمان بن عفان رضي الله عنه، تمَّت البيعةُ بالخلافةِ لأميرِ المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد جرت هذه البيعةُ في المدينةِ المنوّرة في اليومِ التالي مباشرةً ليومِ مقتلِ عثمان، حيث اجتمع كبارُ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم، فبايعوا عليًّا بالخلافة، وكان في مقدمةِ من بايعه كلٌّ من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، إلى جانبِ عددٍ كبيرٍ من أعلامِ الصحابة، منهم: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت، إضافةً إلى سائرِ من كان حاضرًا في المدينةِ من أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، فانعقدت البيعةُ على هذا الإجماعِ الواسع.

ثم خرج كلٌّ من طلحةَ والزبير رضي الله عنهما متوجّهين إلى مكة المكرمة بقصدِ أداء العمرة، ولم يكن في خروجهما ما يدلُّ على معارضةٍ أو نزاعٍ على الخلافة، إذ لم تذكر المصادرُ التاريخيةُ الموثوقةُ أنهما طالبا بالحكم أو سعيا للانشقاق عن الخليفة، وإنما كان مقصدُهما بعد ذلك التوجّه إلى البصرة للمطالبةِ بالقصاص من قتلةِ عثمان رضي الله عنه، في سياقِ السعي لتحقيقِ العدلِ وإقامةِ الحق، وقد وقعت أحداثُ موقعةِ الجمل في سنةِ ستٍّ وثلاثين للهجرة.

وفي أرضِ المعركة، حين رأى عليٌّ رضي الله عنه أمَّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها في هودجها، تأثّر تأثّرًا بالغًا، وانهمرت دموعُه، لما في ذلك المشهد من ألمٍ وحزنٍ عميق، ثم توجّه إلى طلحة رضي الله عنه معاتبًا إياه بكلماتٍ تقطرُ أسىً، فقال: «يا طلحة، أجئت بعُرسِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تقاتل بها، وخبأت عُرسَك في البيت؟»، في إشارةٍ إلى استنكاره خروجَ أم المؤمنين إلى ساحة القتال.

ثم التفت إلى الزبير رضي الله عنه، فذكّره بموقفٍ سابقٍ جمعهما مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: «يا زبير، نشدتك الله، أتذكر يوم مرَّ بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمكان كذا، فقال لك: يا زبير، ألا تحب عليًّا؟ فقلت: ألا أحب ابن خالي وابن عمي ومن هو على ديني؟ فقال لك: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم». فلما سمع الزبير رضي الله عنه هذا التذكير، استعاد تلك الواقعة التي كان قد نسيها، فأقرَّ قائلاً: نعم، أذكر الآن، وقد كنت نسيته، والله لا أقاتلك، فانصرف عن القتال تائبًا، مؤثرًا السلامة والحق.

وبالفعل، انصرف كلٌّ من طلحةَ والزبير رضي الله عنهما عن المشاركة في القتال، بعد أن تبيّن لهما الأمر، غير أن خروجهما من ساحة المعركة لم يُنجهما من القتل، إذ تعرّض الزبير رضي الله عنه للغدر، حيث تبعه رجلٌ يُدعى عمرو بن جرموز، فقتله وهو قائمٌ يصلّي، في مشهدٍ يدلّ على خيانةٍ وغدرٍ لا يمتّان إلى شرفِ القتال بصلة، أما طلحة رضي الله عنه فقد أُصيب بسهمٍ قاتلٍ أطلقه مروان بن الحكم، فكانت إصابته سببًا في وفاته.

ولما بلغ عليًّا رضي الله عنه خبرُ مقتل الزبير، تألّم لذلك أشدَّ الألم، وقال كلمته المشهورة: «بشّر قاتلَ ابن صفية بالنار»، وفي روايةٍ أخرى أن قاتل الزبير استأذن على عليٍّ رضي الله عنه، فقال عليٌّ: «والله ليدخلنّ قاتلُ ابن صفية النار، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن لكل نبيٍّ حواريًّا، وحواريّي الزبير»، وهو حديثٌ صحيحٌ ثابت.

ولمّا أُدخل سيفُ الزبير رضي الله عنه على عليٍّ، تناوله وقبّله، وأجهش بالبكاء، مستحضرًا ما كان لصاحب هذا السيف من مواقفَ عظيمةٍ في نصرة الإسلام، وقال: «سيفٌ طالما والله جلا به صاحبُه الكربَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»، في إقرارٍ بفضل الزبير وشجاعته ومكانته.

وبعد أن دُفن طلحةُ والزبير رضي الله عنهما، عبّر عليٌّ رضي الله عنه عن رجائه في أن يجمع الله بينهم في دار الكرامة، فقال: «إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}»، مستشهدًا بآيةٍ كريمةٍ من سورة الحجر، تدلّ على صفاء القلوب وزوال ما قد يقع فيها من خلافٍ في الدنيا.

ثم أكّد رضي الله عنه ما سمعه بأذنيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «طلحة والزبير جاراي في الجنة»، وهي شهادةٌ عظيمةٌ بمكانتهما وعلوّ منزلتهما عند الله تعالى.

وقد استُشهد الزبير بن العوام رضي الله عنه في شهر جمادى الأولى من سنة ستٍّ وثلاثين للهجرة، وكان عمره آنذاك ستًّا وستين أو سبعًا وستين سنة، بعد حياةٍ حافلةٍ بالجهاد والبذل والتضحية في سبيل الله.

فرضي الله عن الزبير بن العوام، حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

المصادر:📚

الطبقات الكبرى — (3/31)

حلية الأولياء — (4/206)

القرآن الكريم — سورة الحجر، الآية (47)

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *