حين يحفظ القرآنُ العدل ويُعلي المقام: آلُ البيت وزوجاتُ النبي بين نفي مضاعفة السيئات وتعظيم المسؤولية

بقلم:الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

ليست المسألة في هذا الباب سؤالًا عن عدد السيئات، بل عن فهمٍ أدقّ لميزانٍ قرآنيٍّ لا يختلّ: هل يغيّر القرب من النبي صلوات الله عليه وآله قانون الجزاء؟ أم أن القرب يرفع سقف المسؤولية دون أن يمسّ عدل الله؟ هنا تتبدّى ضرورة الرجوع إلى الأصل الذي لا يُزاح، وهو قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿مَن جاءَ بالحسنةِ فلهُ عشرُ أمثالها ومن جاءَ بالسيئةِ فلا يُجزى إلا مثلها وهم لا يُظلمون﴾؛ آيةٌ تحسم الميزان: فضلٌ في الحسنات، وعدلٌ في السيئات، ونفيٌ قاطعٌ لكل زيادة عددية تُفضي إلى الظلم. بهذا الأصل يُفهم كل ما عداه، ولا يُعارضه شيء.

غير أن القرآن نفسه يخاطب زوجات النبي صلوات الله عليه وآله بقوله في سورة الأحزاب: ﴿يا نساءَ النبيِّ من يأتِ منكنّ بفاحشةٍ مبيّنةٍ يُضاعف لها العذابُ ضعفين﴾، ويقابله بقوله: ﴿ومن يقنت منكنّ لله ورسوله وتعمل صالحًا نؤتها أجرها مرتين﴾. وهنا يظنّ بعض الناظرين أن في ذلك تأسيسًا لمضاعفة السيئات عددًا، ثم يُعمّم هذا الفهم على آل البيت كافة، فيقع الخلط بين خطابٍ خاص ووظيفةٍ مخصوصة، وبين قاعدةٍ عامة لا تتبدل. والتحقيق أن هذا الموضع لا يغيّر قانون العدل، بل يكشف عن بُعدٍ آخر في الشريعة: تعظيم المسؤولية بعلوّ المقام.

فزوجات النبي لسن كغيرهن؛ إنهن في بيتٍ هو موضع التشريع، وسلوكهن يُرى بوصفه قدوةً مباشرة للأمة. وما يصدر في هذا الموضع لا يبقى شأنًا فرديًا، بل يتسع أثره، فيُزيّن أو يُشوّه صورة الهدي في أعين الناس. لذلك جاء التعبير بالمضاعفة لبيان ثِقَل المؤاخذة وعِظَم الأثر، لا لتغيير العدد الحسابي الذي قررته آية الأنعام. إن القرآن هنا لا يكسر ميزان العدل، بل يُنبه إلى أن الفعل الواحد يختلف وزنُه باختلاف موقعه؛ فكلما ارتفع المقام، اشتدّ أثر الزلل، كما يشتدّ نور الاستقامة.

وعلى هذا تُفهم منزلة آل البيت؛ فهم داخلون في عموم الشريعة لا يخرجون عنها، فلا يُزاد عليهم في عدد السيئات، ولا يُخفَّف عنهم في أصل الحساب، لكنهم بحكم القرب من النبوة أعلى مسؤوليةً وأشدّ مطالبةً بتمثّل الهدي. إن القرب هنا ليس امتيازًا يُبدّل القانون، بل عهدًا يُعلي التكليف. فمن حمل اسمهم ولم يحمل خُلقهم فقد أضاع المعنى، ومن جعل النسب حجةً لا رسالةً فقد قلب الميزان. ولذا كان تاريخهم – في صفحاته المضيئة – ترجمةً للنسب إلى عمل، وللقرب إلى خدمة، وللمقام إلى إصلاح.

وهذا المعنى لا يخصّ بيت النبوة وحده، بل يجري في كل موضع شُرِّف زمانًا أو مكانًا أو مقامًا؛ فالمعصية في الحرم، أو في الأشهر الحرم، ليست سيئتين في العدد، لكنها أعظم جرمًا في الوصف، لأن انتهاك الحرمة فيها أبلغ. وكذلك من كان موضع قدوةٍ وتأثير، فإن خطأه أوسع صدى، لا لأن الله يزيد عليه عددًا، بل لأن أثر فعله يتعدّى ذاته. فالقاعدة إذن واحدة: لا مضاعفة عددية للسيئة، وإنما تعاظمٌ في أثرها بحسب المقام.

بهذا يستقيم الجمع بين النصوص، ويزول التعارض المتوهم:

آية الأنعام تحفظ العدل فلا تُزاد السيئة،

وآيات الأحزاب تُعلي المقام فتُغلّظ المسؤولية.

وبينهما يتشكّل الفهم الصحيح: لا غلوّ يبدّل قانون الجزاء، ولا تفريط يُهدر حرمة القرب.

إن رسالة آل البيت وزوجات النبي صلوات الله عليه وآله لا تُختزل في نسبٍ يُذكَر، بل في هديٍ يُرى؛ فإذا استقاموا كان نورهم مضاعفًا، وإذا زلّوا كان لزللهم أثرٌ أبلغ، لا لأن الميزان تغيّر، بل لأن الموقع تعاظم. وهكذا يحفظ القرآنُ العدلَ المطلق، ويُبقي للمقام هيبته، ويجعل القرب من النبي صلوات الله عليه وآله تكليفًا يُحمل، لا امتيازًا يُطلب؛ فمن عظُم مقامه عظُم أثره، ومن عظُم أثره عظُم حسابه معنًى لا عددًا.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *