“من الغِنى إلى العِلم: كيف تُحرَّف الحكمة حين تُفصل عن أصلها”

الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

ليست الحكمة مجرد عبارة تُتداول، بل هي سياقٌ معرفي وروحُ قائل، فإذا انتُزعت من أصلها تغيّر معناها ولو تشابهت ألفاظها. ومن هنا تتجلّى دقة ما يُنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: “الغِنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة”، فهي ليست مفاضلة بين مالٍ وقلّته، بل بيانٌ عميق لمعنى الكرامة الإنسانية بوصفها أساس الانتماء. فالغِنى في هذا السياق هو القدرة التي تصون الإنسان من الذل، وتمنحه استقلال القرار، وتفتح له أفق الفعل، حتى لو كان بعيدًا عن أرضه، فيشعر أن له مكانًا في هذا العالم، وأن الغربة قد تحوّلت إلى وطن. أما الفقر، فليس مجرد عوزٍ مادي، بل حالة عجزٍ تُقصي الإنسان عن دائرة التأثير، وتُشعره بأنه زائدٌ في وطنه، غريبٌ بين أهله، حاضرٌ جسدًا غائبٌ معنى.

غير أن مسار التداول الثقافي لا يترك الحكم على حالها، بل يعيد تشكيلها وفق مزاج العصور، فانتقلت هذه الحكمة من ميزان الغِنى والفقر إلى ميزان العلم والجهل، فظهرت الصيغة المتأخرة: “العلم في الغربة وطن، والجهل في الوطن غربة”، ونُسبت في الوعي الحديث إلى ابن رشد، وكأنها قراءة جديدة للحكمة الأصلية في ضوء مركزية العقل. غير أن هذا التحويل – على جماله – ليس بريئًا من الإزاحة؛ إذ ينقل المعنى من كليّته الإنسانية إلى بُعدٍ واحد، هو المعرفة، بينما كان الأصل أوسع، يلامس كرامة الإنسان في جميع وجوهها: ماديًا ومعنويًا واجتماعيًا.

وهنا يظهر الفرق بين التأسيس والتفسير؛ فالإمام علي رضي الله عنه وضع قاعدة وجودية شاملة: أن الوطن يُقاس بقدرة الإنسان على العيش بكرامة، بينما جاءت القراءة المنسوبة إلى ابن رشد بوصفها تفسيرًا جزئيًا، يسلّط الضوء على أحد وجوه هذه الكرامة، وهو العلم. ولا تعارض بينهما في الجوهر، بل ترتيب في المقام؛ فالعلم أحد أعظم وجوه الغِنى، بل هو الغِنى الذي لا ينفد، لكنه ليس الغِنى كله. ومن هنا فإن ردّ الحكمة إلى أصلها لا يعني إلغاء تطورها، بل إعادة ضبط ميزانها، حتى لا يُختزل المعنى في زاوية ويُنسى أفقه الواسع.

إن أخطر ما يصيب الفكر ليس ضياع النصوص، بل ضياع نسبها، لأن في ذلك تشويهًا لمسار المعنى عبر التاريخ. وحين تُنسب حكمة الإمام علي رضي الله عنه إلى غيره، لا نخسر اسم القائل فحسب، بل نخسر سياقًا حضاريًا كاملًا، كانت فيه الكرامة الإنسانية هي محور النظر، لا مجرد المعرفة أو الثروة. ولهذا فإن إعادة هذه الحكمة إلى صاحبها ليست تصحيحًا تاريخيًا فحسب، بل استعادةٌ لبوصلةٍ فكرية تُعيد تعريف الوطن بأنه حيث تُصان كرامة الإنسان، لا حيث تُرسم حدوده.

وهكذا تبقى الحكمة، في أصلها وفرعها، شاهدة على حقيقة واحدة: أن الإنسان لا ينتمي إلى الأرض بقدر ما ينتمي إلى ما يمنحه معنى وجوده؛ فإن وُجد ذلك في الغربة، صارت وطنًا، وإن فُقد في الوطن، صار غربة… وتلك هي المعادلة التي لا تتبدل، وإن تغيّرت ألفاظها.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *