حين تكلّم الحجر… النقوش الإسلامية المبكرة بين الاكتشاف الرسمي والتراكم العلمي الوطني

✍️ الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

يمثل الإعلان الأخير الذي أصدرته هيئة التراث السعودية عن توثيق نقش إسلامي مبكر من القرن الأول الهجري على درب زبيدة في حائل خطوة علمية ووطنية بالغة الأهمية، لا لأنها تكشف حجرًا جديدًا فحسب، بل لأنها تؤكد أمام العالم أن أرض الجزيرة العربية ما زالت تحتفظ في جبالها وصخورها بوثائق أصلية كتبت في زمن التأسيس الإسلامي الأول. فالنقش الذي حمل دعاءً بالمغفرة لرجل يُدعى إبراهيم بن زياد، واقتباسًا قرآنيًا صريحًا، ليس مجرد كتابة على صخرة جرانيتية، بل شهادة مادية حيّة تؤكد أن المسلم الأول لم يحمل الإيمان في صدره فقط، بل تركه مكتوبًا على الطريق، محفورًا في الحجر، ليصل إلينا بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا.

غير أن هذا الاكتشاف—على أهميته—لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حدثًا منفصلًا أو مفاجأة معزولة، بل هو حلقة جديدة ضمن مشروع وطني كبير لإعادة قراءة العمق الحضاري والإسلامي للجزيرة العربية بمنهج علمي حديث. فهذا النقش واحد من آلاف النقوش العربية والإسلامية المبكرة المنتشرة في جبال المملكة وأوديتها وطرق حجها القديمة، بعضها يعود إلى العقود الأولى بعد الهجرة، وبعضها يلامس زمن الصحابة والتابعين، وتحمل جميعها أسماء رجال، وصيغ دعاء، واقتباسات قرآنية، وشهادات إيمانية، تجعل من الصخر وثيقة أصلية لا يدخلها النسخ ولا التصحيف ولا اضطراب الروايات.

ومن الإنصاف العلمي والوطني، ونحن نرى هذه الاكتشافات تتوالى اليوم، أن نستحضر الدور المحوري الذي قام به Prince Sultan bin Salman Al Saud خلال قيادته لقطاع التراث والآثار في المملكة؛ فقد شهدت تلك المرحلة انتقال العمل الأثري من الجهد المحدود إلى مشروع بنية تحتية معرفية شاملة، رسم خرائط المسح، ووسع أعمال التوثيق، وأطلق فرق الاستكشاف، وربط المواقع الأثرية بقاعدة علمية وطنية، حتى بدأت تضاريس المملكة تتحول تدريجيًا إلى خارطة أركيولوجية واضحة المعالم. ولم يكن ذلك جهدًا إداريًا فقط، بل مشروعًا فكريًا أيضًا، ويكفي أن كتابه بدايات الإسلام في جزيرة العرب يمثل شاهدًا حيًا على إيمانه بأن الإسلام الأول لم يكن مجرد نصوص محفوظة في الكتب، بل حضورًا ماديًا ما زالت شواهده قائمة على الصخور، وفي الطرق، وفي مواضع الاستقرار الأولى.

ولعل هذا ما يجعل الإعلان الحالي أكثر عمقًا؛ فهو لا يأتي من فراغ، ولا يبدأ من نقطة الصفر، بل يقف على كتف سنوات طويلة من العمل الميداني، والتخطيط العلمي، والرؤية الوطنية التي وضعت الأثر الإسلامي المبكر في قلب المشروع الثقافي السعودي. كما أن مبادرات الباحثين والمهتمين، ومن بينها مشاريع توثيقية مثل “صحف الحجارة”، جاءت لتسند هذا المسار، وتنقل النقوش من عزلة الجبل إلى وعي المجتمع، ومن صفحات البحث الأكاديمي إلى فضاء الثقافة العامة.

وفي هذا السياق، فإن هذه النقوش تقدم اليوم ردًا علميًا راقيًا على كل من شكك يومًا في وجود الشواهد الأركيولوجية للإسلام المبكر في موطنه الأول. فالرد لا يأتي بالصخب، بل بحجر مؤرخ، ونص مقروء، وموقع محدد، وتحليل علمي قابل للفحص. وحين يُقرأ نقش من القرن الأول الهجري على طريق سلكه الحجاج والمسافرون، ويحمل دعاءً واقتباسًا قرآنيًا، يصبح الحجر نفسه أبلغ من كثير من السجالات.

إن ما نراه اليوم في المملكة ليس مجرد اكتشافات متفرقة، بل استعادة منهجية لذاكرة الأرض؛ ذاكرة بدأت مع المسلم الأول حين كتب إيمانه على الصخر، واستمرت مع الباحث الذي قرأ النقش، ومع المؤسسة التي وثقته، ومع الدولة التي جعلت من التراث مشروعًا وطنيًا. وبين هذه الحلقات جميعًا، يبقى الحجر شاهدًا صادقًا على أن الإسلام الأول لم يُكتب بالحبر وحده… بل كُتب أيضًا على جبال الجزيرة العربية، وما زال يتكلم.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *