من فاس إلى درب الحاج… حين وقّع حفيد الأدارسة اسمه في صحف الحجارة

 ✍️ الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

في تاريخ الحج الإسلامي لم تكن الصخور الممتدة على الطرق القديمة مجرد تضاريس صامتة، بل كانت—ولا تزال—صحفًا مفتوحة كتب عليها العابرون من العلماء والأمراء والزهاد والحجاج شيئًا من ذاكرتهم، فكأن الحجر تحول عبر القرون إلى أرشيف لا يخضع للرطوبة، ولا تعبث به خزائن الدول، ولا تطويه رفوف المكتبات. ومن بين هذه الشواهد النادرة يبرز نقش استوقفني طويلًا، لا لقيمة الاسم المنقوش فحسب، بل لما يحمله من عمق حضاري وتاريخي؛ إنه نقش العلامة المحدث محمد المكي الكتاني الذي سجل اسمه وسنة حجه على أحد دروب الحجاج بالحجاز سنة 1359هـ، في عبارة موجزة حملت دلالات أكبر من حجمها: «محمد المكي الكتاني – 1359».

في ظاهر الأمر قد يراه البعض توقيعًا شخصيًا لحاج مر من هنا، لكن حين نقرأ الاسم بعين التاريخ ندرك أننا لا نقف أمام فرد، بل أمام امتداد حيّ لأسرة إدريسية حسنية عبرت الجغرافيا الإسلامية شرقًا وغربًا لأكثر من اثني عشر قرنًا. فالسيد محمد المكي هو ابن شيخ الإسلام المحدث محمد بن جعفر الكتاني، وحفيد بيت علم وجهاد وسيادة يمتد نسبه إلى إدريس الأول، ثم إلى الحسن بن علي رضوان الله عليه.

لقد عاشت الأسرة الكتانية رحلة استثنائية قل أن تجتمع لبيت واحد؛ فمن المدينة المنورة خرج الأصل الحسني، ومنها انطلقت الهجرة الإدريسية الأولى إلى المغرب، حيث استقرت الأسرة عبر القرون في فاس و**مكناس** و**شالة، ثم امتد حضورها إلى قسنطينة وزواوة** و**تلمسان**. وفي العصر الحديث، حين بدأت القوى الاستعمارية الفرنسية والإسبانية تطبق على سواحل المغرب وثغوره، استشرف شيخ الإسلام محمد بن جعفر الكتاني مبكرًا ما هو قادم، فكتب نصيحته الشهيرة لسلطان المغرب محذرًا من فساد البطانة وضعف القرار، ومؤكدًا أن الخطر ليس على الحدود فقط، بل في الداخل أيضًا. وحين لم تجد النصيحة طريقها إلى الإصلاح، اتخذ قرارًا تاريخيًا بالهجرة مع أسرته إلى المدينة المنورة سنة 1325هـ، وكأن الأسرة الإدريسية التي خرجت من المدينة قبل قرون لتبني دولة في الغرب، تعود الآن إلى أصلها الأول في الشرق.

وفي تلك الرحلة العلمية الكبرى مرّت الأسرة عبر الإسكندرية و**القاهرة، ونهل السيد محمد المكي من علماء الأزهر، ثم واصل طلبه للعلم بين مكة المكرمة والمدينة المنورة**، حتى إذا توفي والده سنة 1345هـ، اتخذ من دمشق مقامًا له ولذريته، لتصبح دمشق المحطة الأخيرة في رحلة هذه الأسرة المتنقلة بين عواصم الإسلام.

لكن أجمل ما في هذه الرحلة كلها أن السيد محمد المكي، رغم أسفاره ومجالسه العلمية ومكانته بين أهل الإسناد، اختار أن يترك لنا أثرًا بسيطًا على صخرة في طريق الحاج. لم يكتب لقبًا، ولا منصبًا، ولا سلسلة نسبه الطويلة، بل كتب اسمه فقط وسنة حجه، وكأن العالم حين يقف على طريق البيت الحرام يتجرد من كل شيء إلا اسمه بين يدي الله.

وقد كان لي شرف توثيق هذا النقش ونشره ضمن كتابي صحف الحجارة، كما عرضناه ضمن معرض صحف الحجارة الذي أقمناه بمدينة طنجة في شهر مايو سنة 2025م، في مشهد يحمل رمزية عميقة؛ إذ عاد نقش حفيد الأدارسة إلى أرض المغرب، لا على ظهور القوافل كما جاء أجداده أول مرة، بل في إطار مشروع علمي يوثق ذاكرة الأمة على الحجر.

إن هذا النقش ليس كتابة على صخر… بل توقيع تاريخ كامل. فمن يعرف الاسم يقرأ رجلًا، ومن يعرف النسب يقرأ أسرة، ومن يعرف الطريق… يقرأ أمة كاملة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *