من تدنيس الحجر الأسود إلى فتنة جهيمان… كيف تُختطف المقدسات حين يتحول الدين إلى أداة صراع

✍️ الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

ليست الاعتداءات على الحرم المكي أحداثًا معزولة في سجل التاريخ، بل هي لحظات كاشفة تنفذ إلى عمق البنية الفكرية والسياسية للعالم الإسلامي، وتفضح تلك اللحظة التي ينفصل فيها الدين عن مقاصده الكبرى، فيتحول من جامعٍ للأمة إلى أداة صراع بينها. فالكعبة المشرفة لم تكن يومًا مجرد بناء يُزار، بل كانت – ولا تزال – رمزًا لوحدة المسلمين، وأي انتهاك لها هو في جوهره اعتداء على هذا المعنى الجامع، قبل أن يكون اعتداءً ماديًا على المكان.

وحين نقرأ حادثة تلطيخ الحجر الأسود سنة 1164هـ، كما وثقها مؤرخو مكة من أمثال أحمد بن زيني دحلان في خلاصة الكلام، ومحمد طاهر الكردي في التاريخ القويم، فإننا لا نقف أمام فعل شنيع فحسب، بل أمام دلالة أعمق؛ فقد وُجد الحجر الأسود والملتزم ومسار الطواف ملوّثًا بالنجاسة، في مشهد هزّ وجدان المسلمين، وأثار ضجة كبرى في الحرم. وبناءً على التحريات، قُبض على رجل وُصف في الروايات بأنه من الأعاجم ومنسوب إلى التشيع الإمامي، وقد تحيّن فرصة خلو المطاف ليرتكب فعلته. فجاء رد مكة حاسمًا، حين عقد الشريف مساعد بن سعيد مجلسًا شرعيًا حضره العلماء والقضاة، وصدر الحكم بقتله تعزيرًا، ثم أُعيد تطهير الكعبة والحجر الأسود بماء زمزم والطيب، لتستعاد قدسية المكان بعد أن مُسّت.

غير أن خطورة الحادثة لا تكمن في الفعل ذاته، بل في السياق الذي أنتجه؛ إذ تعكس الروايات إدراكًا مبكرًا لدى علماء الحرم بأن بعض الانحرافات لم تكن مجرد شذوذ فردي، بل امتدادًا لتوظيف مذهبي وسياسي للدين، حيث تتحول العقيدة من إطار تعبدي إلى أداة صراع. وهذه القاعدة نفسها تتكرر – بصورة مختلفة – في حادثة اقتحام المسجد الحرام عام 1400هـ على يد جهيمان العتيبي وزمرته، حيث بلغ الانحراف ذروته حين استُبيحت حرمة الحرم باسم “تصحيح العقيدة” وإقامة “الحق”.

لم تكن فتنة جهيمان حدثًا عابرًا، بل كانت مشروعًا فكريًا منحرفًا اكتمل تدريجيًا، حين انتقل أصحابه من مرحلة الغلو في الفهم إلى مرحلة الادعاء المطلق، فبايعوا محمد بن عبدالله القحطاني على أنه المهدي المنتظر، وأغلقوا أبواب الحرم، وسفكوا الدماء في أقدس بقاع الأرض. وهنا تتجلى خطورة الفكرة حين تنفصل عن ضوابطها؛ إذ تتحول من اجتهاد إلى يقين مغلق، ومن دعوة إلى فرض بالقوة، ومن نص إلى تأويل قسري يُقصي كل مخالف.

وإذا كانت حادثة تلطيخ الحجر الأسود تمثل انحرافًا ذا خلفية مذهبية متطرفة، فإن حادثة جهيمان تمثل انحرافًا ذا خلفية تكفيرية متشددة، لكن النتيجة واحدة: انتهاك حرمة البيت الحرام. وهذا ما يؤكد أن الخطر لا يرتبط بمذهب بعينه، بل بطريقة التعامل مع الدين حين يُختزل إلى أداة لإثبات السلطة أو فرض الرؤية، سواء جاءت هذه السلطة في صورة مشروع سياسي، أو جماعة مغلقة، أو حتى فرد متوهم للحقيقة المطلقة.

لقد أعاد موقف الدولة والعلماء في حادثة 1400هـ التأكيد على القاعدة التاريخية التي حكمت مكة عبر القرون: أن حرمة الحرم فوق كل اعتبار. فكما اجتمع العلماء في حادثة 1164هـ وأقروا العقوبة، اجتمعوا في حادثة جهيمان وأجازوا استخدام القوة لإنهاء الفتنة، ثم أُعيد تطهير الحرم، وكأن التاريخ يعيد نفسه في صورة مختلفة، ليؤكد أن حماية المقدسات ليست خيارًا، بل واجبًا شرعيًا وحضاريًا.

غير أن الدرس الأعمق من هذه الحوادث لا يقف عند حدود الإدانة، بل يتجاوزها إلى فهم السنن التي أنتجتها؛ فحين تتحول الأفكار إلى أدوات صراع، وتُستعمل النصوص خارج سياقها، وتُقدَّم المشاريع السياسية في لباس ديني، فإن النتيجة الحتمية هي الفتنة، التي تبدأ بفكرة وتنتهي بانتهاك المقدسات. وهنا تتساوى الانحرافات، مهما اختلفت عناوينها، لأن جوهرها واحد: اختطاف الدين من مقاصده الكبرى.

إن الكعبة، التي يتجه إليها المسلمون من كل المذاهب، تظل الشاهد الأكبر على وحدة الأمة، وأي محاولة لاحتكارها فكريًا أو السيطرة عليها ماديًا هي إعلان صريح على هذا المعنى الجامع. ولذلك فإن حماية الحرم لا تكون فقط بإغلاق أبوابه أمام المعتدين، بل بفتح العقول على فهم صحيح للدين، يعيد إليه روحه الجامعة، ويمنع تحويله إلى سلاح في يد أي مشروع، مهما كان شعاره.

وهكذا، من تلطيخ الحجر الأسود إلى فتنة جهيمان، يثبت التاريخ أن أخطر ما يهدد المقدسات ليس العدو الخارجي، بل الفكرة المنحرفة حين تستبيح كل شيء باسم الله، فتقع الفتنة، ويُختبر وعي الأمة بين دينٍ يوحّدها، ودينٍ يُستعمل لتفريقها.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *