العدد 40 | صفحة شؤون إسلامية ومعالم نبوية الخميس 18-12-1447هـ الموافق 4-6-2026م غدير خُم.. معلم إسلامي عالمي بين وصية أهل البيت وجغرافيا السيرة النبوية
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
في الثامن عشر من ذي الحجة يعود إلى الذاكرة الإسلامية أحد أشهر المواقع المرتبطة بالسيرة النبوية، وهو غدير خُم الواقع بالقرب من الجحفة التاريخية بين مكة المكرمة والمدينة المنورة. وقد ارتبط هذا الموضع بحدثٍ بقي حاضرًا في وجدان المسلمين منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، حين وقف فيه سيدنا رسول الله صلوات الله عليه وآله أثناء عودته من حجة الوداع، وخاطب المسلمين قبل أن تتفرق وفود الحجيج إلى مختلف أنحاء الجزيرة العربية.
ولسنوات طويلة ظل الحديث عن غدير خُم محصورًا في الجدل حول ما جرى فيه، بينما يغيب عن كثير من المسلمين أن الموقع نفسه ما زال قائمًا، وأن معالمه الطبيعية يمكن رؤيتها وتوثيقها ميدانيًا. وقد ساهمت الصور الجوية الحديثة والزيارات الميدانية والبرامج الوثائقية في إعادة اكتشاف هذا الموضع وإبراز علاقته بالجحفة وطريق الحاج القديم.
وتُظهر الصور الجوية للموقع أن غدير خُم يقع ضمن منظومة الأودية ومجاري السيول التي تصب في المنطقة الساحلية القريبة من رابغ والجحفة، وهو ما يفسر تسميته بالغدير، إذ إن الغدير في لغة العرب هو مجتمع الماء الذي تخلفه السيول في بطون الأودية.
ومن اللافت أن هذا الوصف الجغرافي نفسه أكده سماحة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان عندما سُئل عن غدير خُم فقال:
“النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحج نزل على غدير خُم، والغدير هو تجمع السيول في الوادي، فخطبهم وأوصاهم بآل بيته: أذكركم الله بأهل بيتي… فهم حفظوا لأهل بيته هذه الوصية.”
وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها تجمع بين إثبات الموقع الجغرافي وإثبات الخطبة النبوية وإثبات الوصية بأهل بيت رسول الله صلوات الله عليه وآله.
كما أسهم الباحث والإعلامي الأستاذ عيد اليحيى في تقديم قراءة ميدانية للموقع من خلال زيارته لغدير خُم وتصويره على أرض الواقع، حيث أوضح طبيعة المكان وعلاقته بمسار الحجاج التاريخي، وهو ما يربط بين الرواية التاريخية والجغرافيا الماثلة أمام العين.
ولعل ما يستحق التأمل أن غدير خُم يجمع عناصر قلّ أن تجتمع في موقع واحد؛ فهو مرتبط برسول الله صلوات الله عليه وآله، وبحجة الوداع، وبالإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه، وبوصية النبي بأهل بيته، كما أنه يقع على أحد أهم طرق الحج التاريخية في الجزيرة العربية.
وقد اختلف المسلمون عبر العصور في بعض دلالات ما جرى في الغدير، لكنهم لم يختلفوا في فضل الإمام علي ومكانة أهل البيت ومحبتهم. ولذلك فإن غدير خُم يبقى شاهدًا على لحظة من لحظات الوفاء النبوي لأهل بيته، وعلى وصية جامعة ما زالت تتردد في أسماع المسلمين:
“أذكركم الله في أهل بيتي.”
ومن منظور حضاري معاصر، فإن غدير خُم يملك من المقومات ما يجعله أحد أهم مواقع السيرة النبوية القابلة للتوثيق والتعريف العالمي. فالعالم اليوم يحتفي بمواقع دينية وتاريخية عديدة مثل المغطس في الأردن وكنيسة المهد في بيت لحم وغيرها من المعالم الروحية، بينما يمتلك غدير خُم قيمة تاريخية وإسلامية لا تقل أهمية عن كثير من تلك المواقع.
إن العناية بهذا المعلم، وتوثيق آثاره، وتقديمه ضمن مسارات السيرة النبوية وطريق الحاج التاريخي، يمثل إضافة نوعية للمشهد الثقافي والتراثي في المملكة العربية السعودية، ويؤكد دورها الريادي في حفظ التراث الإسلامي وخدمة معالم السيرة النبوية.
ويبقى غدير خُم شاهدًا على يوم اجتمع فيه الصحابة رضي الله عنهم حول رسول الله صلوات الله عليه وآله في طريق العودة من حجة الوداع، فسمعوا وصيته، وحفظ التاريخ ذكرى ذلك اليوم، وحفظت الأرض موضعه، وبقيت الجغرافيا تروي ما حفظته الذاكرة الإسلامية عبر القرون.
المراجع
القرآن الكريم.
صحيح مسلم.
مسند الإمام أحمد.
معجم البلدان – ياقوت الحموي.
وفاء الوفاء – السمهودي.
المادة الوثائقية الميدانية للأستاذ عيد اليحيى.
حديث سماحة معالي الشيخ الدكتور صالح الفوزان
مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء .
