خروج دريدُ بنُ الصِّمَّة في رهطٍ من خيرة فرسان قومه بني جُشم بن بكر، وقد تهيؤوا للسير وشدّوا أزرهم، حتى انتهى بهم المسير إلى وادٍ من أودية بني كنانة، وبينما هم يجوسون خلاله ويستطلعون نواحيه

كتب دكتور/ شريف الجندي

خرج دريدُ بنُ الصِّمَّة في رهطٍ من خيرة فرسان قومه بني جُشم بن بكر، وقد تهيؤوا للسير وشدّوا أزرهم، حتى انتهى بهم المسير إلى وادٍ من أودية بني كنانة، وبينما هم يجوسون خلاله ويستطلعون نواحيه، إذا برجلٍ في طرفٍ من أطراف الوادي، يسوق ظعينةً(الظعينة هي المرأة المسافرة في الهودج)

فوقع منظره في نفس دريد موقع الانتباه والارتياب.

فلما رآه دريد وتبيّن حاله، التفت إلى أحد فرسانه وقال له آمراً: أسرع إليه، واصرخ به أن يدع الظعينة ويخلّي سبيلها، ثم ينجو بنفسه قبل أن يدركه الهلاك. فانطلق الفارس يعدو في أثر الرجل، حتى إذا لحق به ناداه بصوتٍ مرتفع وألحّ عليه أن يترك الظعينة وينصرف، فلم يزده ذلك إلا إصراراً، إذ أبى أن ينكفّ عنها أو يسلّمها.

فعندئذٍ ألقى الرجل زمام الراحلة إلى الظعينة، كأنما يهيئها للنجاة بنفسها، ثم خاطبها قائلاً:

سيري على رسلك سير الآمن … سير رداح ذات جأش ساكنِ

إنّ أنثنائي دون قرني شائني … أبلى بلائي واخبري وعايني

ثم انقلب على الفارس مقبلاً عليه في جرأةٍ وثبات، فحمل عليه وطعنه طعنةً قاضية أردته صريعاً كأن لم يكن، واستولى على فرسه، ثم أعطى الظعينة ما تحتاج إليه من وسيلةٍ للفرار.

فلما طال غياب الفارس الأول، بعث دريد فارساً آخر ليستكشف خبره وينظر ما آل إليه أمره، فلما بلغ الموضع وجد صاحبه قتيلاً مطروحاً على الأرض، فصاح بالرجل فلم يجبه، وتظاهر الرجل كأنه لم يسمع شيئاً، فظن الفارس أن صوته لم يبلغ سمعه، فدنا منه مغتراً.

فما كان من الرجل إلا أن ألقى زمام الراحلة مرةً أخرى إلى الظعينة، ثم رجع إلى الفارس وهو يقول:

خل سبيل الحرة المنيعة … انك لاقٍ دونها ربيعه

في كفه خطية مطيعة … أولا فخذها طعنة سريعه

والطعن مني في الوغى شريعة

ثم حمل عليه حملةً صادقة فصرعه كما صرع صاحبه من قبل، فلم يلبث أن لحق به.

فلما تأخر الخبر على دريد واشتد قلقه، بعث فارساً ثالثاً لينظر في أمر الرجل وصاحبيه، فلما انتهى إليهما وجدهما صريعين، ورأى الرجل قائماً يقود ظعينته ويجر رمحه في ثباتٍ لا يعتريه اضطراب، فناداه قائلاً: خلِّ سبيل الظعينة! فكأن الرجل لم يبالِ بأمره، بل التفت إلى الظعينة وقال لها: امضي قاصدةً نحو البيوت، ولا تلتفتي.

ثم أقبل على الفارس مخاطباً إياه بقوله:

ماذا تريد من شتيم عابس … ألم تر الفارس بعد الفارس

أرداهما عامل رمح يابس

ثم اندفع إليه غير هيّاب، فحمل عليه حملةً ثالثة فصرعه كما صرع من سبقه، غير أن رمحه انكسر من شدة الضرب وتتابع الطعن.

عند ذلك ارتاب دريد وظن أن فرسانه قد قتلوا الرجل واستولوا على الظعينة، فلم يلبث أن سار بنفسه حتى لحق به، وقد قارب الرجل ديار الحي، فرأى أصحابه صرعى لا حراك بهم، وأبصر الرجل ثابت الجنان، فقال له متعجباً: من أنت؟ فإن مثلك لا يُقتل، ولا أراك تحمل رمحاً، وهذه الخيل قد نفرت من أصحابها، فخذ رمحي هذا عوضاً عما فقدت، فإني منصرف إلى أصحابي لأثبطهم عنك وأصرفهم.

ثم رجع دريد إلى أصحابه، وقال لهم: إن صاحب الظعينة قد حماها بنفسه، وقتل فرسانكم، وانتزع مني رمحي، فلا مطمع لكم فيه ولا سبيل إليه، فانصرفوا عنه.

ثم قال دريد بن الصِّمَّة معجباً بما رأى ومقرّاً بفضل ذلك الرجل:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثله … حامي الظعينة فارسا لم يقتلِ

أردى فوارس لم يكونوا نهزة … ثم استمر كأنه لم يفعلِ

متهلهلا تبدو أسرة وجهه … مثل الحسام جاءته كف الصيقلِ

يزجي ظعينة ويسحب ذيله … متوهجاً يمناه نحو المنزلِ

وترى الفوارس من مخافة رمحه … مثل البغاث خشين وقع الأجدلِ

يا ليت شعري من أبوه وأمه … يا صاح من يكُ مثله لا يجهلِ

وقال صاحب الظعينة في ذلك، وهو ربيعة بن مكدم، أحد بني فراس بن كنانة:

إن كان ينفعك اليقين فسائلي … عني الظعينة يوم وادي الأخرمِ

إذ هي لأوّل من أتاها نهبة … لولا طعان ربيعة بن مكدمِ

إذ قال لي أنى الفوارس ميتة … خل الظعينة طائعا لا تندمِ

فصرفت راحلة الظعينة نحوه … عمدا ليعلم بعض ما لم يعلمِ

وهتكت بالرمح الطويل أهابه … فهوى صريعا لليدين وللفمِ

ومنحت آخر بعده جياشة … نجلاء فارغة كشدق الأضجمِ

ولقد شفعتهما بآخر ثالثا … وأبى الفرار لي الغداة تكرمي

ثم لم تلبث كنانة أن أغارت على بني جشم، فقتلوا وأسروا دريد بن الصمة، فأخفى نفسه.

فبينما هو عندهم محبوس إذ جاءته نسوة يتهادين نحوه، فصاحت إحداهن وقالت:

هلكتم وأهلتم.

ماذا جر عليها قومها؟ هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة!

فألقت عليه رداءها وقالت: يا آل فراس!

أنا له جارة.

فسألوه من هو فقال: أنا دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟

قالوا: ربيعة بن مكدم.

قال: فما فعل؟

قالوا: قتلته سليم، قال: فما فعلت الظعينة؟

قالت المرأة أنا هي، وأنا امرأته.

فحبسه القوم وشاوروا أنفسهم.

فقال بعضهم: لا ينبغي أن نكفر نعمة دريد على صاحبنا.

وقال آخرون: والله لا يخرج من أيدينا إلاّ برضى المخارق الذي أسره.

فلما أمست المرأة، وهي ريطة بنت جذل الطعان، رفعت عقيرتها وقالت:

سنجزي دريدا عن ربيعة نعمة … وكل امرئ يجزى بما كان قدما

فإنَ كان خيرا كان خيرا جزاؤه … وإنّ كان شرا كان شرا مذمما

سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرة … بإعطائه الرمح الطويل المقومى

فقد أدركت كفاه فينا جزاءه … وأهل بأن يجزى الذي كان أنعما

فلا تكفروه حق نعماه فيكم … ولا تركبوا تلك التي تملأ الفما

فلو كان حيا لم يضق بثوابه … ذراعا غنيا كان أو كان معدما

ففكوا دريدا من إسار مخارقٍ … ولا تجعلوا البؤسى إلى الشر سلما

فلما أصبحوا أطلقوه، فكسته وجهزته ولحق بقومه.

ولم يزل كافا عن غزو بني فراس حتى هلك.

✨المصدر:📚

كتاب زهر الأكم في الامثال والحكم جـ 1 صـ 102 الى 103.📖

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *