هل شارك أبو هريرة والطفيل الدوسي في تسقيف الكعبة؟ قراءة نقدية في رواية أخشاب العرعر
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
تداولت بعض المنصات الإعلامية مقطعًا يتحدث عن مساهمة أبي هريرة رضي الله عنه والطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه في تسقيف الكعبة المشرفة، من خلال جلب أخشاب العرعر من جبال السراة، وتحديدًا من مناطق برحرح وذي منعا وجرداء بني علي، وأن تلك الأخشاب كانت تُحمل على الإبل حتى تصل إلى مكة المكرمة لاستعمالها في سقف الكعبة.
وقد أُسندت هذه الرواية إلى أحد المعاصرين الذي ذكر أنه وقف عليها في بعض الكتب أثناء دراسته، غير أن مثل هذه الدعوى لا يكفي فيها النقل المجمل أو الإحالة العامة، لأن الحديث هنا يتعلق بأحد أشهر الأحداث في تاريخ مكة والكعبة المشرفة، وهو بناء قريش للكعبة قبل البعثة النبوية.
وأول ما يواجه الباحث في هذه الرواية هو الإشكال الزمني. فبناء قريش للكعبة وقع قبل البعثة النبوية بنحو خمس سنوات، وفيه شاركت بطون قريش المعروفة، ووقعت حادثة التحكيم الشهيرة في وضع الحجر الأسود، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ في الخامسة والثلاثين من عمره.
أما أبو هريرة رضي الله عنه، فهو من أشهر الصحابة رواية للحديث، إلا أن المصادر متفقة على أن إسلامه كان متأخرًا عام خيبر في السنة السابعة للهجرة، أي بعد حادثة بناء الكعبة بسنوات طويلة. ولذلك فإن نسبته إلى مشروع تسقيف الكعبة أو الإشراف على نقل أخشابها لا ينسجم مع التسلسل الزمني المعروف.
وكذلك الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، فقد اشتهر في كتب السيرة بأنه سيد دوس الذي قدم إلى مكة بعد البعثة فأسلم على يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم عاد داعية إلى قومه. أما مشاركته في بناء الكعبة أو جلب أخشابها قبل الإسلام فدعوى تحتاج إلى نص تاريخي صريح وواضح، وهو ما لا نجده في المصادر المبكرة التي تناولت أخبار مكة وبناء الكعبة.
ومن الملاحظ كذلك أن الرواية المتداولة لا تستند إلى مصدر تاريخي معروف يمكن مراجعته، وإنما تعتمد على القول بأن فلانًا قرأ ذلك في بعض الكتب. وهذه ليست طريقة أهل التحقيق في إثبات الوقائع التاريخية؛ فالمعتبر هو ذكر المصدر وتحديد النص والموضع وتمكين الباحثين من مراجعته ومناقشته.
وقد حفظت لنا كتب السيرة وأخبار مكة تفاصيل دقيقة عن بناء قريش للكعبة، فذكرت أسباب إعادة البناء، وتقسيم العمل بين البطون القرشية، والمواد المستخدمة، وقصة السفينة التي تحطمت على ساحل البحر واستفادت قريش من أخشابها، وقصة النجار الذي شارك في أعمال البناء، كما حفظت قصة الحجر الأسود وما دار حوله من خلاف ثم اتفاق. ولو كانت هناك مشاركة معروفة لأبي هريرة أو الطفيل الدوسي أو غيرهما من رجال دوس في هذا الحدث البارز، لكان من المتوقع أن ترد في تلك المصادر التي عنيت بأدق تفاصيل البناء.
أما القول بأن أخشاب العرعر جاءت من جبال السراة، فهو أمر لا يستحيل من الناحية الجغرافية، فالعرعر معروف في تلك المرتفعات منذ القدم، غير أن الإمكان الجغرافي لا يكفي وحده لإثبات الواقعة التاريخية. فالمؤرخ يفرق بين ما يمكن أن يقع وبين ما ثبت أنه وقع بالفعل.
ولهذا فإن مجرد وجود أشجار العرعر في السراة، أو إمكانية نقلها إلى مكة، لا يثبت أن أبا هريرة أو الطفيل الدوسي قاما بذلك، ولا يثبت أن تلك الأخشاب استعملت في تسقيف الكعبة، ما لم يرد نص تاريخي معتبر يؤكد ذلك.
ومن القواعد المهمة في البحث التاريخي أن عبء الإثبات يقع على من يدعي الواقعة لا على من يطلب الدليل عليها. فمن قال إن فلانًا شارك في بناء الكعبة أو في تسقيفها فعليه أن يأتي بالمصدر الذي أثبت ذلك، لا أن يكتفي بالإحالة إلى رواية متأخرة أو إلى معلومة متداولة بلا سند.
والحقيقة أن قبائل دوس والأزد ليست بحاجة إلى روايات غير موثقة لإثبات مكانتها في التاريخ الإسلامي؛ فقد خرج منها أعلام وصحابة وعلماء كانت لهم آثار ثابتة ومشهورة في خدمة الإسلام ونشر العلم والدعوة، وفي مقدمتهم أبو هريرة والطفيل بن عمرو رضي الله عنهما. وإنصاف هذه الشخصيات يكون بإبراز فضائلها الثابتة لا بإضافة أدوار تاريخية لم تثبتها المصادر.
وخلاصة القول أن الرواية المتداولة عن مساهمة أبي هريرة والطفيل الدوسي في جلب أخشاب العرعر لتسقيف الكعبة لا تستند – فيما يظهر – إلى مصدر تاريخي مبكر معروف، كما أنها تواجه إشكالًا زمنيًا واضحًا، وتعتمد على إحالة عامة إلى باحث معاصر دون ذكر النصوص التي استند إليها. ولذلك يبقى الأصل التاريخي المعروف أن بناء الكعبة قبل البعثة كان مشروعًا قرشيًا موثقًا في المصادر، وأن أي إضافة إلى هذه الرواية المشهورة تحتاج إلى دليل يوازيها في القوة والوضوح.فالتاريخ لا يُبنى على الشهرة المتأخرة، ولا على الحكايات المجملة، وإنما على الوثيقة والنص والمصدر المعتبر، وبهذا وحده تُصان الذاكرة التاريخية من الزيادة والنقصان.
