ويخلق ما لا تعلمون ‏قراءة قرآنية في حديث إيلون ماسك عن الشرائح العصبية ومستقبل الطب الرقمي

‏ ‏✍️ الشريف محمد بن علي الحسني

‏رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

‏أثار حديث إيلون ماسك حول مستقبل الشرائح العصبية الطبية اهتمامًا عالميًا واسعًا، خاصة عندما أشار إلى أن بعض التطبيقات التي تعمل عليها الشركات المتخصصة في ربط الدماغ البشري بالأنظمة الرقمية قد تجعل المشلول قادرًا على الحركة، وتمنح الأمل للمكفوفين في استعادة جزء من الإبصار، وتفتح آفاقًا جديدة أمام من فقدوا القدرة على التواصل أو التحكم بأعضاء أجسادهم.

‏ولعل أكثر ما لفت الانتباه في حديثه هو تشبيهه لهذه التطورات بما كان الناس يعدونه في الماضي قريبًا من معجزات السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام. غير أن قراءة هذا التصريح في ضوء القرآن الكريم تفتح أفقًا أعمق من مجرد المقارنة بين المعجزة والتقنية، إذ تنقل النقاش إلى مفهوم العلم نفسه وعلاقته بالخلق الإلهي.

‏فالقرآن الكريم يقرر حقيقة كبرى حين يقول:

‏﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

‏وهي آية تحمل في طياتها بعدًا معرفيًا متجددًا، إذ تشير إلى أن دائرة المعرفة البشرية ليست مغلقة، وأن الإنسان سيظل يكتشف من أسرار الكون والنفس والحياة ما لم يكن يعلمه من قبل.

‏لقد عرف الإنسان العلاج بالأعشاب، ثم عرف الجراحة، ثم شهد ثورة المضادات الحيوية، ثم انتقل إلى زراعة الأعضاء ونقل الأنسجة، ثم إلى الأطراف الصناعية الذكية والقواقع الإلكترونية وأجهزة تنظيم القلب. واليوم يقف على أعتاب مرحلة جديدة من الطب الرقمي العصبي، حيث لم يعد الحديث عن استبدال العضو التالف فحسب، بل عن إنشاء جسور إلكترونية مباشرة بين الدماغ والأعصاب والأجهزة الذكية.

‏ومن هذا المنطلق يمكن فهم حديث ماسك بوصفه امتدادًا لمسيرة التطور الطبي، لا خروجًا عليها. فالشرائح العصبية تمثل تطورًا طبيعيًا في التكنولوجيا الطبية الرقمية، يعتمد على فهم أعمق للدماغ والجهاز العصبي وآليات نقل الإشارات بين الخلايا العصبية والأعضاء المختلفة.

‏غير أن هذا التقدم العلمي، مهما بلغت آفاقه، لا يساوي بين التقنية والمعجزة.

‏فالمعجزات التي أجراها الله على أيدي الأنبياء لم تكن تجارب مخبرية أو نتائج تراكم معرفي، وإنما كانت آيات ربانية غايتها هداية البشر وإقامة الحجة عليهم. وكانت تأتي بلغة العصر الذي أُرسل فيه النبي لتكون أوضح في الدلالة على صدق رسالته.

‏ففي زمن إبراهيم عليه السلام جاء مشهد الطير وإحياء الموتى ليجيب عن سؤال الإنسان حول البعث والحياة. وفي زمن موسى عليه السلام، حيث بلغت فنون السحر ذروتها، جاءت العصا لتظهر الفرق بين القدرة الإلهية وخداع الأبصار. وفي زمن عيسى عليه السلام، حيث عُرف الطب وبرز أهله، جاءت معجزات إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. أما محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد بُعث في أمة بلغت شأوًا عظيمًا في البلاغة والبيان، فجاء القرآن الكريم معجزة خالدة تتحدى العقول والألسنة إلى قيام الساعة.

‏ومن هنا فإن المعجزة كانت تخاطب الناس بما يعرفون، لكنها تتجاوز حدود قدرتهم، لتدل على أن مصدرها وحي الله لا اجتهاد البشر.

‏أما ما يتحقق اليوم في المختبرات ومراكز الأبحاث فهو اكتشاف للسنن التي أودعها الله في خلقه، وتسخير لما أذن للإنسان أن يتعلمه عبر الزمن، مصداقًا لقوله تعالى:

‏﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

‏ولهذا فإن الشرائح العصبية التي يتحدث عنها ماسك لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها منافسة للمعجزات، بل باعتبارها مرحلة جديدة في تاريخ المعرفة الإنسانية، تكشف جانبًا من أسرار الخلق الإلهي، وتؤكد أن الإنسان ما زال يخطو في طريق طويل من الاكتشاف.

‏وفي نهاية المطاف، فإن الوحي والعلم لا يقفان على طرفي نقيض؛ فالوحي يرشد الإنسان إلى غاية وجوده، والعلم يكشف له بعض أسرار العالم الذي يعيش فيه. وكلما اتسعت دائرة المعرفة، ازداد حضور المعنى القرآني الخالد:

‏﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *