‏يوسف زيدان يهدم خطابه قبل أن يهدم الكعبة

 بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني

‏رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

‏ليست المشكلة في أن يختلف الباحث مع الرواية التاريخية أو أن يعيد قراءة النصوص؛ فهذا حق يكفله المنهج العلمي لكل باحث، بل قد يكون سبيلًا إلى تجديد المعرفة متى استند إلى الأدلة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الإثارة الإعلامية إلى بديل عن البرهان، وحين يصبح اختزال القضايا الكبرى في عبارات ساخرة وسيلة لإقناع الجمهور. وهذا ما بدا جليًا في حديث يوسف زيدان الأخير عن الكعبة وسورة الفيل، حين قال إن الكعبة «أوضة واحدة»، وإن أي عامل بأجر زهيد يستطيع هدمها، فلا حاجة إلى جيش ولا إلى فيل. وهي عبارة لا تكشف ضعف الرواية الإسلامية بقدر ما تكشف خللًا في طريقة الاستدلال نفسها؛ لأنها تنقل النقاش من ميدانه الحقيقي إلى ميدان لم يناقشه القرآن أصلًا.

‏فالقرآن الكريم لم يقل يومًا إن الكعبة استعصت على الهدم لأنها حصن منيع أو لأنها بناء لا يمكن إسقاطه، ولم تجعل سورة الفيل محور الإعجاز في سماكة الجدران أو قوة الأساسات، وإنما تحدثت عن محاولة استهدفت بيت الله الحرام، ثم بينت أن الله أحبط ذلك المشروع. فالحديث القرآني عن الحفظ الإلهي، لا عن استحالة الهدم ماديًا. ومن هنا فإن القول إن عاملًا يستطيع هدم الكعبة لا يرد على سورة الفيل، لأنه يجيب عن سؤال لم تطرحه السورة أصلًا.

‏والأغرب من ذلك أن يوسف زيدان نفسه كان قبل سنوات يقدم خطابًا مختلفًا تمامًا. ففي لقاء عام 2017 تحدث عن الكعبة بوصفها أعظم رمز ديني، وهاجم عبد الملك بن مروان بأشد العبارات، ونعته – بحسب رأيه – بأنه «رجل سافل» لأنه هدم الكعبة مرتين. وكان يرى أن المساس بالكعبة جريمة تاريخية كبرى تستحق الإدانة. واليوم يعود الرجل نفسه ليختزل الكعبة في «أوضة» يمكن لعامل بسيط أن يهدمها بسهولة، وكأنها فقدت فجأة كل تلك الرمزية التي كان يتحدث عنها. وهنا لا يبرز تناقض في الألفاظ فحسب، بل تناقض في المنهج؛ لأن القضية لم تعد عنده قيمة الكعبة ومكانتها، وإنما أصبحت مجرد حساب هندسي لتكلفة هدم البناء.

‏ولو سُلِّم بهذا المنطق لانهارت معاني التاريخ كلها. فالقيمة الحضارية لأي رمز لا تُقاس بكمية الإسمنت والحجارة، وإلا لأمكن القول إن أي عامل يستطيع هدم مبنى برلمان أو قصر رئاسي أو معبد أثري أو نصب وطني، فهل تزول بذلك قيمتها؟ إن الرموز لا تُقاس بأحجامها، وإنما بما تمثله في وجدان الأمم. والكعبة منذ أقدم العصور لم تكن مجرد بناء، بل كانت البيت المعظم عند العرب قبل الإسلام، ثم أصبحت قبلة المسلمين بعد الإسلام، وارتبطت بها شعائر الحج والطواف، وصارت أعظم رمز ديني مستمر في تاريخ الجزيرة العربية.

‏ولهذا لم يكن أبرهة – وفق الرواية الإسلامية – متجهًا إلى “غرفة” من الحجر، وإنما إلى مركز السيادة الدينية للعرب، ومحور نفوذ قريش، والبيت الذي تتجه إليه القبائل. ولم يكن المقصود إسقاط جدار، بل إسقاط الرمز نفسه وتحويل الأنظار إلى القليس في صنعاء. ولذلك جاءت سورة الفيل لتقرر أن المشروع كله قد أُفشل، لا لأنها تناقش قدرة البشر على الهدم، وإنما لأنها تتحدث عن حفظ الله لبيته في لحظة فاصلة من التاريخ.

‏إن من يقرأ التاريخ بعين المؤرخ يدرك أن الكعبة عبر العصور كانت تُرمم إذا أصابها سيل أو تصدع، وتُعاد عمارتها إذا احتاجت إلى ذلك، لكنها لم تُعامل في وجدان المسلمين ولا في وعي العرب بوصفها مجرد أربعة جدران قابلة للإزالة متى أراد الناس. فالفارق كبير بين أن يكون البناء قابلًا للهدم من حيث الإمكان المادي، وبين أن يكون الاعتداء عليه أمرًا تقبله الأمم أو تسمح به الظروف التاريخية. وهذه الحقيقة هي التي تجاهلها يوسف زيدان حين اختزل تاريخًا كاملًا في عبارة ساخرة.

‏إن الباحث يُحاسب على اتساق منهجه قبل جرأة عباراته. فإذا كان هدم الكعبة في خطابه عام 2017 جريمة تاريخية تستوجب أقسى أوصاف الإدانة، فكيف أصبحت في خطابه الأخير مجرد “أوضة” لا تحتاج إلا إلى عامل هدم؟ وإذا كانت مجرد بناء صغير لا قيمة له، فلماذا كان هدمها في الأمس سببًا لكل ذلك الغضب؟ إن هذا التحول لا تفسره وثيقة جديدة، ولا نقش أثري مكتشف، ولا قراءة علمية مختلفة، وإنما يكشف انتقالًا من خطاب يبحث عن تفسير التاريخ إلى خطاب يبحث عن إثارة الجدل.

‏ولهذا فإن القضية ليست الدفاع عن حجارة، فالحجارة تُهدم وتُبنى، وإنما الدفاع عن المنهج العلمي في قراءة النصوص والتاريخ. فالكعبة لم تكن يومًا عظيمة لأنها تستحيل على الهدم، بل لأنها بيت الله الحرام، ورمز ديني وحضاري تجاوزت قداسته حدود البناء المادي. ومن أراد أن يناقش سورة الفيل، فليناقشها في موضوعها الحقيقي، لا في قضية لم تطرحها السورة أصلًا، وإلا فإنه يكون قد هدم منطقه قبل أن يتوهم هدم الكعبة. 🕋

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *