شجاعة على ارتفاع آلاف الأقدام.. قائد يهبط بطائرته بسلام وينقذ جميع الركاب

كتب  دكتور/ شريف الجندي 

الشجاعة هي الهدوء عندما تنهار السماء…

ساد الصمت أرجاء الطائرة. 

كان هذا أكثر ما يتذكره الركاب—الغياب المرعب للصوت. 

في 24 يونيو 1982، كانت رحلة الخطوط الجوية البريطانية رقم 9 قد تجاوزت جزيرة جاوة بتسع عشرة دقيقة عندما لاحظ مهندس الطيران الأقدم، باري تاونلي-فريمان، شيئاً غريباً في أجهزته؛ فدرجات حرارة المحركات كانت ترتفع بسرعة، وبدأ الركاب يضغطون على أزرار استدعاء المضيفين.

تطلع المضيفون فرأوا ضوءاً أزرق جميلاً ينبض عبر مراوح المحرك في نمط وميضي متقطع.

وكانت شرارات بيضاء تتراقص على الأجنحة مثل الفراشات المضيئة، مما جعل المشهد يبدو ساحراً وهادئاً تقريباً.

أما في قمرة القيادة، فكان الكابتن إريك مودي يراقب محركه رقم أربعة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة؛ بدأ الأمر بارتجاج مفاجئ، ثم تلاه فشل كامل.

بعد ستين ثانية، توقف المحرك رقم اثنين.

ثم الأول.

ثم الثالث.

وفجأة، أصبحت طائرة البوينغ 747 التي تحمل على متنها 247 راكباً وتحلق على ارتفاع 11,000 متراً بلا محركات تعمل.

تحولت الطائرة إلى طائرة شراعية، تهبط بثبات بمعدل 600 متراً في الدقيقة، ولم يعد هناك صوت يُسمع سوى اندفاع الرياح واحتكاكها بهيكل الطائرة.

استيقظ الركاب على هدوء مخيف بينما كان المساعد الأول، روجر غريفز، يحاول إعلان حالة الطوارئ، لكن التشويش اللاسلكي جعل التواصل شبه مستحيل.

كانوا ينسابون نحو المحيط الهندي بلا محركات، وبلا راديو، ودون أي فكرة عما أصاب طائرتهم.

استعرض مودي الاحتمالات في ذهنه—تلوث الوقود، اصطدام بطيور، عمل تخريبي—لكن لا شيء منها كان منطقياً.

وحاول تاونلي-فريمان إعادة تشغيل المحركات، لكنها لم تستجب.

نظر مودي إلى مقياس الارتفاع؛ لقد فقدوا 4,000 متر في ست دقائق.

كان بحاجة إلى إخبار الركاب قبل أن يدركوا الأمر بأنفسهم.

ضغط على زر نظام النداء الداخلي وقال بنبرة هادئة: «سيداتي وسادتي، معكم الكابتن. لدينا مشكلة صغيرة. لقد توقفت المحركات الأربعة جميعاً. إننا نبذل قصارى جهدنا للسيطرة عليها. وأثق بأنكم لستم في ضائقة شديدة».

وفي مقصورة الركاب، تحول الصمت إلى رعب عندما أدرك الجميع الحقيقة.

بدأ المضيفون في إجراءات الاستعداد للطوارئ—سترات النجاة، وضعيات الانحناء للاصطدام، وإزالة الأشياء الحادة والأحذية ذات الكعب العالي.

وفي الخارج، اشتد التوهج الأزرق، واعتقد البعض أن الطائرة تحترق.

لكنه كان غباراً بركانياً من جبل غالونغغونغ، تعرض لحرارة وشحن كهربائي شديدين، فغلف كل سطح من أسطح الطائرة.

كان الرماد يتكون من صخور وزجاج مطحون، وهو غير مرئي لأجهزة الرادار. ذابت جزيئات الزجاج داخل المحركات، وكست شفرات التوربينات حتى خنقتها.

كان مودي يفقد الارتفاع بسرعة. وعلى ارتفاع 11,000 متراً، انطلقت أقنعة الأكسجين، لكن قناع غريفز تعطل، مما أجبر مودي على الهبوط بمعدل أسرع.

وعند ارتفاع 6,000 متر، حسب مودي أنه لم يتبقَّ لديهم سوى ثماني دقائق قبل الاضطرار للهبوط الاضطراري في المحيط.

إن الهبوط الليلي على الماء بطائرة من طراز 747 يعني عملياً انعدام فرص النجاة.

حاول مودي تشغيل المحركات مرة أخرى، دون جدوى. وعند ارتفاع 4,500 متر، استعد للهبوط في الماء.

وعند ارتفاع3,600 قدم، قام بمحاولة أخيرة؛ سعل المحرك رقم أربعة، واهتز أخيراً، ثم دار.

وبعده هدر المحرك رقم ثلاثة عائداً للحياة. ثم الأول، فالثاني—حتى دارت المحركات الأربعة كلها. واستقرت الطائرة في تحليقها عند ارتفاع 4,500 متر.

لكن الزجاج الأمامي كان قد أُعتم وتمت صنفرته بفعل الرماد الزجاجي حتى أصبح معتماً للغاية.

غيروا مسارهم إلى جاكرتا، حيث كان نظام التوجيه العمودي للهبوط (ILS) معطلاً.

كان على مودي أن يهبط بالطائرة وهو شبه أعمى، مستعيناً ببقعة صغيرة صافية على النافذة الجانبية، وبصوت غريفز وهو يملي عليه المسافات: «حسناً إريك، نحن على بعد 14 متر، يجب أن تكون على ارتفاع 650 متراً». مدّ مودي عنقه، محلقاً بالاعتماد على الرؤية المحيطية (الجانبية).

وأخيراً ظهرت أضواء المدرج كبقع ضبابية غير واضحة.

عدّل مودي معدل الهبوط مستنداً إلى الإحساس والخبرة.

ارتطمت العجلات بالأرض بقوة، لكن الطائرة تراجعت سرعتها حتى توقفت تماماً.

نجا كل شخص على متنها دون استثناء.

ووجد المحققون لاحقاً أن المحركات كانت مسدودة بالزجاج البركاني والزجاج الأمامي مخدوشاً لدرجة العتامة، لكن الجميع خرجوا سيراً على أقدامهم بسلام.

لم يتلقَّ الكابتن مودي أي تدريب على مثل هذا الموقف، ولم تكن هناك أي إجراءات مكتوبة للتعامل معه. لقد أنقذ 263 حياة بفضل مهارة الطيران الخالصة—الخبرة، رباطة الجأش، والشجاعة والهدوء.

وبعد الرحلة رقم 9، أصبح الرماد البركاني خطراً مرصوداً، حيث تتابع مراكز الاستشارة سحب الرماد في جميع أنحاء العالم.

توفي الكابتن إريك مودي في عام 2024 عن عمر يناهز 84 عاماً، لكن إعلانه الهادئ يظل المعيار الذهبي للتواصل في وقت الأزمات:

قل الحقيقة. حافظ على هدوئك. وامنح الناس كرامتهم. حتى وأنت تسقط من السماء.

كم أنت جميلاً يامودي.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *