متى تكون الآيات لقوم يسمعون ؟ ومتى تكون لقوم يعقلون؟ ولماذا لا توجد في كل القرآن عبارة ( لقوم يبصرون )؟

كتب/ أحمد حنفي

متى تكون الآيات

لقوم يسمعون ؟

ومتى تكون لقوم يعقلون؟

ولماذا لا توجد في كل القرآن عبارة ( لقوم يبصرون )؟

طبعا العقل اعم من السمع والبصر …. والسمع اعم من البصر اي ان البصر اخص من العقل ومن السمع ولذلك يتقدم السمع على البصر في الكثير من الآيات لأنه الأعم في الدلالة والأسبق في الجعل .

فكلنا لدينا عقول ولكن البعض منا وليس كلنا من يستمع استماع تأمل والبعض القليل جدا من تكون له البصيرة النافذة التي تأتي بعد التفكر والتدبر فيبصر الأمور ويدركها على حقيقتها. لذلك نجد ان الله سبحانه اذا اسهب في ذكر الآيات وعددها يقول بعدها (لقوم يعقلون) ؟ لانه كلما كثرت الآيات وتعددت كلما كان مجرد وجود العقل كافيا لإستيعابها لانها كثيرة وواضحة.

اما اذا كانت الآيات المذكورة قليلة او عامة للجميع بحيث لا نشعر باهميتها او بقربها منا حينها سيذكر بأن هذه الآيات هي (لقوم يسمعون) .

أما إذا اصبحت هذه الآيات قريبة منا سواء لرؤيتها بالعين او ليقيننا بها او لمنفعتها المباشرة والواضحة بالنسبة لنا وبشكل خاص وليس عام فهنا سيربطها سبحانه بالبصر ولكنه لن يقول(لقوم يبصرون) وسنبين السبب في هذا لاحقا ان شاء الله وسنضرب بعض الأمثلة المتقاربة ليسهل علينا ملاحظة الفرق في ذلك.

فنجد مثلا في قوله تعالى :

{ وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَحۡیَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۤۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَةࣰ لِّقَوۡمࣲ یَسۡمَعُونَ }٦٥ النحل .

فنلاحظ هنا انه ذكر إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بعد موتها وربما منكم من يتسائل ويقول ما علاقة انزال الماء وإحياء الأرض بحاسة السمع ؟ اليس البصر هنا ابلغ من السمع باعتبار ان ما ذكره يمكن ان نراه لا ان نسمعه فلماذا جاء بالسمع ؟

نقول صحيح هنا ذكر انزال الماء واحياء الأرض ولكنه لم يذكر المنفعة المباشرة والخاصة بنا المترتبة على هذه النعمة او هذه الآية لذلك قال بعدها ( لقوم يسمعون) لبعدها عنا لذا نحتاج إلى أن نصغي ونستمع لمن يقربها الى اذهاننا.

بينما نلاحظ في قوله تعالى:

{ أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَاۤءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعࣰا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَـٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا یُبۡصِرُونَ }٢٧ السجدة .

هنا يتحدث الله عن نفس المعنى وهو كيف ان الماء الذي يسوقه إلى الأرض الجرز اي القاحلة او الجرداء اليابسة فيخرج منها الزرع اي بمعنى يحييها بعد موتها وهو نفس المعنى في سورة النحل تماما ولكنه ختم الآية بقوله ( افلا يبصرون). ولم يقل مثلا (افلا يسمعون) او (لقوم يسمعون) كما قال في سورة النحل ؟ لانه في سورة النحل لم يذكر المنفعة الخاصة بنا بينما في سورة السجدة ذكر المنفعة المباشرة والخاصة بنا في قوله ( فنخرج به زرعا تأكل منه انعامهم وانفسهم) حتى انه قدم انعامهم على أنفسهم؟ لان الانسان يفرح حينما يرى انعامه تاكل وتسمن وتكبر امام عينيه لما في ذلك من زيادة في منفعته الشخصية…. وبهذا نلاحظ حينما ذكر الله الآية بشكل عام ولم يذكر منفعتها الخاصة بنا ربطها بالسمع وحينما ذكر ماترتب عليها من منفعة مباشرة وخاصة بنا فاصبحت قريبة منا زمانا ومكانا ويقينا ربطها بالبصر.

ولذلك يوم القيامة كثيرا ما يذكر الله ما يتعلق بالبصر لقرب الحقائق التي كانت بعيدة عنا في الحياة الدنيا حتى اصبحت يقينا لا شك فيه وكما في قوله تعالى :

{ یُبَصَّرُونَهُمۡۚ یَوَدُّ ٱلۡمُجۡرِمُ لَوۡ یَفۡتَدِی مِنۡ عَذَابِ یَوۡمِىِٕذِۭ بِبَنِیهِ }١١ المعارج .

ونلاحظ في سورة الروم قوله تعالى:

{ وَمِنۡ ءَایَـٰتِهِۦ یُرِیكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفࣰا وَطَمَعࣰا وَیُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَیُحۡیِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۤۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَعۡقِلُونَ }٢٤ الروم .

هنا ايضا ذكر إنزال الماء وإحياء الارض بعد موتها ولكنه لم يذكر المنفعة الخاصة بنا المترتبة على انزال الماء واحياء الأرض لذلك لم يربط هذه الآية بالبصر.

ولكن ربما من سيسأل ويقول..لماذا ربط ماذكره هنا بالعقل و لم يربطه بالسمع كما فعل في سورة النحل؟

نقول في آية النحل ذكر إنزال الماء وإحياء الأرض بعد موتها فقط . بينما في سورة الروم ذكر ماذكره في سورة النحل وزيادة لانه ذكر رؤية البرق خوفا وطمعا. اي انه حينما زاد من عدد الآيات المذكورة في سورة الروم ربطها بالعقل لانه وكما قلنا كلما زاد عدد الآيات المذكورة كلما كان وجود العقل لوحده كافيا لادراكها لانها ستكون من الوضوح والبساطة بمكان بحيث يسهل على اي عقل ادراكها .

لذلك نجد في قوله تعالى:

{ إِنَّ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَـٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِی تَجۡرِی فِی ٱلۡبَحۡرِ بِمَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مِن مَّاۤءࣲ فَأَحۡیَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِیهَا مِن كُلِّ دَاۤبَّةࣲ وَتَصۡرِیفِ ٱلرِّیَـٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَیۡنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَعۡقِلُونَ }

١٦٤ البقرة .

وفي قوله تعالى:

{ وَفِی ٱلۡأَرۡضِ قِطَعࣱ مُّتَجَـٰوِرَ ٰ⁠تࣱ وَجَنَّـٰتࣱ مِّنۡ أَعۡنَـٰبࣲ وَزَرۡعࣱ وَنَخِیلࣱ صِنۡوَانࣱ وَغَیۡرُ صِنۡوَانࣲ یُسۡقَىٰ بِمَاۤءࣲ وَ ٰ⁠حِدࣲ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضࣲ فِی ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَعۡقِلُونَ }٤ الرعد.

نلاحظ هنا كثرة وتنوع الآيات المذكورة بحيث يسهل على الانسان ادراكها لمجرد ان له عقل لذا ختم الآيتين بقوله (لقوم يعقلون).

والامثله كثيرة على ذلك ويمكن للباحث ان يطلع عليها في كتاب الله .

ومن استعمالات القرآن الخاصة انه لم ترد عبارة ( لقوم يبصرون) اطلاقا في كل القرآن الكريم ؟.. لان كلمة قوم عامة والبصر وكما قلنا فيه خصوصية وقرب من الشيء مكانا وزمانا ويقينا لذا لا يجمع الله بين البعيد العام والقريب الخاص.

لذلك وردت في القرآن الكريم عبارة

لقوم… يسمعون يعلمون يعقلون يوقنون يؤمنون يفقهون يذكرون يشكرون يتفكرون ويتقون

ولكن لم ترد ابدا عبارة (لقوم يبصرون) !

بينما وردت كلمة الأبصار مع (أولي) والتي فيها خصوصية والتصاق وقرب أكثر من كلمة (قوم)..لذا فكلمة (الأبصار) الخاصة تتناسب مع كلمة (أولي) الخاصة وايضا مع كلمة ( العبرة) والتي ايضا فيها خصوصية وكما في قوله تعالى:

{…إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَعِبۡرَةࣰ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَبۡصَـٰرِ }١٣ آل عمران .

{ یُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَعِبۡرَةࣰ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَبۡصَـٰرِ }٤٤ النور .

{…فَٱعۡتَبِرُوا۟ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَبۡصَـٰرِ }٢ الحشر.

{ وَٱذۡكُرۡ عِبَـٰدَنَاۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ وَإِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَ أُو۟لِی ٱلۡأَیۡدِی وَٱلۡأَبۡصَـٰرِ }

٤٥ ص .

ونلاحظ هنا كيف اثنى الله على عباده إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ووصفهم بأنهم (أولي الأبصار) اي انهم ولكثرة إيمانهم ويقينهم بالله وقربهم منه اصبحت كل آية قريبة منهم يبصرونها تماما ويدركون حقيقتها وينتفعون بها كما هو الحال مع الذين انتفعوا مباشرة هم وانعامهم من الماء والزرع في قوله تعالى:

{ أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَاۤءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعࣰا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَـٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا یُبۡصِرُونَ }٢٧ السجدة .

ونلاحظ انه في كل الايات التي ختمها بقوله ( لقوم يسمعون) كانت المنفعة فيها عامة وبعيدة عن الأذهان لانها ليست مباشرة او خاصة بنا لذا فالقليل جدا منا من يشكر الله عليها كما في قوله تعالى:

{ هُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ لِتَسۡكُنُوا۟ فِیهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَسۡمَعُونَ }٦٧ يونس.

وايضا في قوله تعالى:

{ وَمِنۡ ءَایَـٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَاۤؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦۤۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَسۡمَعُونَ }٢٣ الروم .

طبعا منهم من قال بأن الله هنا قد ذكر الليل وآية الليل هي السمع ولذلك ختم الآيتين بقوله (لقوم يسمعون) وهذا الكلام غير دقيق ابدا لان الله قد ذكر الليل وذكر النهار ايضا

والبصر هو آية النهار فلماذا لم يقل مثلا ( افلا تبصرون) ؟… لذلك نقول ان الامور لا تقاس بهذه الطريقة ولكننا لو سألنا وقلنا..من منا يحمد الله كل يوم كونه جعل له الليل سكنا والنهار مبصرا ؟ او كونه جعله ينام بالليل والنهار ؟

فهذه النعم او الآيات عامة ولجميع خلق الله لذلك لا نشعر بها و قليل منا من يحمد الله عليها لذا نحتاج الى ان نستمع لمن يدلنا عليها…بينما كلنا بعد الأكل والشرب

نحمد الله ونشكره وكأن نعم الله علينا محصورة في الطعام والشراب والمال والرزق الخاص بنا فقط ! وهذا هو حال الانسان على الأغلب فنحن لا نشعر بآيات الله ونعمه علينا الا اذا كانت قريبة منا وخاصة بنا ..او بمعنى آخر لا نشعر بها حتى تقترب منا ونبصرها ولذلك في سورة السجدة حينما ذكر الله الزرع والاكل ختم الآية بقوله (افلا تبصرون).

لذلك نلاحظ في قوله تعالى:

{ وَفِی ٱلۡأَرۡضِ ءَایَـٰتࣱ لِّلۡمُوقِنِینَ (20) وَفِیۤ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ (21) } الذاريات…هنا حينما اقتربت الآيات منا جدا بل واصبحت في أنفسنا قال ( افلا تبصرون).

ولكي نلاحظ الدقة العجيبة في التعبير القرآني سنقارن بين آيتين متقاربتين ومتتابعتين وهما قوله تعالى.

{ قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمُ ٱلَّیۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَنۡ إِلَـٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَأۡتِیكُم بِضِیَاۤءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ }٧١ القصص.

{ قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَنۡ إِلَـٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَأۡتِیكُم بِلَیۡلࣲ تَسۡكُنُونَ فِیهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ }٧٢ القصص.

فهنا قالوا ان الله ختم الآية الأولى بقوله (افلا تسمعون) لانه ذكر الليل…وختم الآية الثانية بقوله (افلا تبصرون) لانه ذكر النهار . ونقول قد يكون هذا

هو احد الاسباب ولكن السبب الاكبر هو انه في آية الليل لم يذكر الفائدة العائدة لنا من نعمة الضياء

بينما في آية النهار ذكر الفائدة العائدة لنا من نعمة الليل وقال (بليل تسكنون فيه)..وبالرغم من ان نعمة السكن في الليل وكما قلنا هي نعمة عامة ومنسية بالنسبة لنا وبعيدة عن أذهاننا الا انه ربطها هنا بالبصر لكي نقارن بين الآيتين المتشابهتين والمتتابعتين وكيف انه حينما لم يذكر المنفعة ختم الآية بالسمع…وحينما ذكر المنفعة ختمها بالبصر !

فنلاحظ هذه الدقة العجيبة في التعبير القرآني

من كتاب/ (أنس القرآن وروعة البيان)

للدكتور/ أنس كمال

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *